صفنت تستوعب المعنى، ولأنها تعرف مدى إصراري، وتشبثي بكلمتي، تراجعت عن سخريتها وغيظها، وأعلنت بصدق:
-لا يا بني... لا... إنني أمزح... أنت سيد العقل، والمال ليس كل شيء في الحياة.. سأكلم الحاج صالح بنفسي... فشذى لن تجد أفضل منك... وهي تنتظر موافقتك.. سأكلمها بعيداً عن عمتك... رقص قلبي لذكرياتي مع شذى، كأنه معلق على جناحي طائر.
-لا تتعبي نفسك... فانا لا أريد شذى.. لا تكلميني عنها ثانية... ثم أنت تعرفين عمتي جيداً، إنها طامعة في بيتنا... وهي لا تحبنا لن ترتاح لي، ولن تتركني أرتاح... هذا إذا وافقت..
-صدقت... مليحة، لئيمة حقودة، وغيور... وعادة البدن لا يغيرها إلا الكفن...
لم تبدأ أمي كامل استسلامها، وإن نطقت بكلمة حق بسبب كراهيتها لعمتي.
حين تركت المستشفى أيقنت أن هدهد، هي الفتاة الوحيدة القادرة على انتزاع الكمد القاتل من قلبي، وإزالة الغمامة السوداء من نفسي، أو تخفيف وهجها على الأقل.
-ماذا جرى يا بني؟! ماذا بك؟ أين عقلك؟
-تركته عند أختك الكاذبة. وأخذت هذه الأوراق بدله.
-خالتك مريم! ماذا حدث بينكما؟ ألم تكن عندها؟
-لم تبقني في بيتها ساعة واحدة! سحبتني بأمر الجمولي الحرامي إلى المستشفى... وتركتني هناك وحيداً ككلب أجرب!!
-لماذا؟! ما الذي حصل؟
-لماذا! كأنك لا تعرفين أخلاق أختك وزجها؟
ما أردت الذهاب معها لولا عنادك. أنت سبب كل ما حصل لي...
صمتت يلفها الندم، كمن يسترجع الذكريات ويتحقق من صحة المعلومات التي تلقاها.
-وكيف جئت إلى هنا؟
-جئت مشياً.. سرت على قدمي، الطريق كله...
-لا بدّ أنك هربت... ماذا قال لك الطبيب؟
أصمت منكسراً... فتكمل بحنان ولهفة:
-اخبرني..
-قال لي: وسواس... تزوج يا كاكاحمه فتتخلص من وساوسك...
-تتزوج! من أين؟ أتظن الزواج لعب أطفال؟ وها أنت تعود حافياً "لا من قدام ولا من ورا غير الهوا" ضحكت... وصفقت باستهزاء... فآمتعضت وأوضحت لها:
-لا ياأمي... لا تقولي هذا... لا تنسي حكمة أبي "من عامود إلى عامود يفرجها الرب المعبود".
-آمنت باللّه.. لكن..
-جئت يا أمي لآخذ حقي... وسترين... كيف سآخذه.
أخبرتها بثاني المشاريع ففغرت فمها مستغربة:
-إنه شرع ربنا، ولا يمكنني التفريط به، سأخذه فأطمئني.
-تأخذه ممن كان يعرف اللّه ويخشاه... لا من السلماني!
-سأفقأ عينيه، ثم أتزوج.
وكأنها لم تستسغ حديثي سارعت تسأل:
-وماذا نقول لعبد اللّه المختار؟ كيف ستواجهه؟