بدل أن أمسح دموعها المتقاطرة، وقفت أمامها كالصنم، بانتظار أن تتزحزح وتفسح لي المجال لأدخل وأستريح، وأستبدل ملابسي بعد أن بللني العرق إلا أنها لم تفعل! حتى أنها لم تدعني أتفوه بكلمة. كنت غاضباً ومتوتراً وتمنيت لوانها تتركني وشأني، ولا تبدي كثير أهمية لعودتي، وتستمر في غزلها دون أن توليني أي اهتمام... ظهر سرورها برؤيتي واضحاً، فآلمتني... وذاب ما بي من غضب وتوتر، وتلاشى. واستلهمت الشجاعة من عينيها اللتين تفحصتا في بروية وحنان، واستفسرنا بهلع ومن خلال الدموع عما حصل لي في أربيل، وَلمَ عدت هكذا بسرعة ... فقلت: أنا بخير.يا أمي... بخير...
داخلها الاطمئنان فاستبشرت أساريرها. أنتشيت بدوري حالما رأيتها تبسط كفيها رافعة بصرها إلى السماء تشكر اللّه.
-لم أتأخر.. لم أرغب في البقاء أكثر من هذا.
أظهرت استغرابها. فأردفت.
-فكرت بك يا أمي... بوحدتك..
أعياني التعب، وفترت قواي خفت أن أتهاوى مجبوراً متهالكاً فسمعتها تستفسر بلهفة:
-هل وجدت عملاً؟ هل حصلت على مال؟ أجلبت معك شيئاً من خالتك؟
-لا يوجد في جيبي فلس واحد.
غاظها ردي. شعرت بخيبة حقيقية فعادت تستفسر:
-عجيت! ولم عدت إذن؟
-جلبت معي هذه الأوراق.. عدت من أجلها..
تسمر فكها عجباً للحظات. غير أن الشفتين اليابستين ارتعشتا قليلاً وتساءلتا بمرح:
-أوراق! أتطعمنا أوراقك هذه؟
-نعم... وسأتزوج بها...
بهتت، تطلعت إليّ بعينين ذاهلتين. وتحركت شفتاها من جديد وانفرج بالتالي ثغرها، لتنطلق منها ضحكة مدوية..
قهقهت حتى ترقرق دمعها! ثم أعقبت بتوضيح ساخر:
-تتزوج؟ مليحة الجرباء رفضت تزويجك ابنتها!
سكتّ، فاستمرت بسخريتها المريرة. تركتني وتمددت على السجادة دلالة الغيظ، وباغتتني بسؤالها القاتل:
-فمن تقبل بإفلاسك وبسواد...؟
-هدهد.
أجبتها، فجنت! لم تصدق. رأيتها تقفز قاعدة وتهبد بيدها فوق صدرها. وفي غمره غيظها تساءلت بقرف وضيق:
-هداية العمياء؟!
ألمني ما سمعت ولم أشأ الدخول معها في نقاش عميق، وعقيم فهي أمي وأنا مرهق والكلام لا يسد جوعاً، قلت بحزم:
-هي بذاتها... وسأتزوجها بعد غد...
أذهلتها... حدقت فيّ بعجب، راحت لثوان تنظر إليّ نظرات ملؤها الوجل والريبة. وحين لحظت جديتي عادت لتتأكد:
-هداية!! هداية العمياء؟! بماذا ستنفعك. وتنفعنا؟ كدت أصرخ بوجهها "إن ابنك مكره لا بطل" لكني عدلت:
-استغفري ربك يا أمي... أنت تكفرين! ألم تعلميني بوجوب شكر الخالق وتحذريني بألاّ نعيب على المنقوش. وحاشا للّه أن نعيب على خلقته، جلت حكمته! ما ذنب المسكينة هدهد، إذا فقدت بصرها في ضربة حاقد؟ وكلنا معرضون لأن نصبح مثلها... تصوري موقفك، لو جاءت الضربة على رأسك؟