Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 218

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 223
منتديات شباب فلسطين - عرض مشاركة واحدة - العصفور والريح
الموضوع: العصفور والريح
عرض مشاركة واحدة
قديم 05-14-2009, 11:00 AM   #2
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

كل شيء كان واضحاً لنا، لكن الدليل.. تقديم البرهان أعجزنا... السلماني الكلب، لن يفلت هذه المرة.. لا.. لن يفلت... نذالته وخسته هما وراء موت أبي... طمعه في أرضنا وتهديده لنا ورفضنا عرضه لبيعها له وتشبثنا بها، دفعته إلى حرق محاصيلنا. ولكثرة الديون المترتبة عليه اضطر أبي للعمل عند المخرف، سائقاً لسيارة الأجرة الصغيرة، لكن الأمر لم يدم سوى أشهر. انقلبت في حادث أليم وطارت روحه إلى السماء وعندئذ برز لنا السلماني بأوراقه! إدعى أن أبي باعه الأرض قبل مدة واستلم المبلغ كاملاً عرض لنا ورقة البيع والشراء ممهورة "ببصمة أبي" ومذيلة بشهادة حمودة الأعور وسعدو وزوج خالتي المحامي! صدقنا مرغمين... غير أن الحيرة لازمتنا... الحيرة في النقود! فمتى أخذها أبي وأين صرفها؟! أقسمت أمي بأنها لم تسمع عن البيع شيئاً ولم تر فلساً واحداً! صدقنا إدعاء السلماني، لجهلنا وسذاجتنا... لكن أوراق الجمولي كشفت لي الحقيقة...‏

تذكرت مصاب أبي والفاجعة التي حلت بنا. فراودني حلم الانتقام القديم من السلماني الذي أكل حقنا وطردنا من الأرض. ولا شيء تكره نفسي في الدنيا كلها مثله، لنذالته، ومثل هذا الطريق الطويل، المتعرج، بالتواءاته القاتلة. التي ضيعت العشرات وعلى رأسهم المرحوم أبي...‏

كرهت الطريق ولطالما تمنيته رجلاً لأقتله. ولطالما فكرت في وسيلة أتفادى بها المرور عبره، ولم أجد. ووجدت الآن الفرصة متاحة للتفكير...‏

جالت في ذهني أفكار جديدة، فأتعبتني، وبلبلت حالي... وفجأة برزت واحدة منها، كشعاع منير، انطلق محلقاً في الأعالي. وحوله لاحت نجوم خماسية مضيئة! تسمرّت في مكاني. تجاهلت كل مشاريعي وسلسلة الأفكار. واندفعت صوب مشروع جديد.. أهمّ وأكثر فائدة. طرأ على غير توقع! ولأني أكثر الجميع معرفة بقريتي، أعرف كل شيء عن أحوالها، ناسها وبيوتها، أزقتها وشوارعها أعشابها وأشجارها، حصياتها وصخورها، أوديتها ومنحدراتها ومرتفعاتها، عاينت المكان تفحصت الأرجاء ثم صعدت إلى أقرب تل.‏

من قمته ألقيت نظرة على الجبل والتلال المجاورة وفكرت: لماذا لا نشرع في إكمال الطريق؟ منذ عشر سنوات ونحن ننتظر الحكومة! فإلى متى سنبقى في الانتظار؟ يكفيها إنها قررت إقامته وفتحت لنا النفق قبل أن توقف أعمالها بسبب القتال... لو أزلنا هذه التلال وبترابها ردمنا الهوّة، لغدا الطريق سهلاً وقصيراً... بالتأكيد...‏

طابت لي الفكرة واستسهلتها ولأني عدت لأعمل، نسيت تعبي. وبقيت أخطط وأرسم أتخيل فأحضر، أحكم فأردم... حتى ضج دماغي وتشبع خيالي... فتابعت المسيرة وكلي عزم وإصرار على ضرورة التخطيط بعقل، كي لا أتسرع ولا أندم، فالسرعة والندم أخ وأخت ثم أن واجب الإنسان أن يفكر جيداً قبل الإقدام على عمل ما... وعليّ أيضاً أن أستشير المختار والملاّ، فهناك دائماً أصوات متعقلة وسط الفوضى والضلال...‏

بعد ثلاث ساعات وصلت قريتي. التي تتوضع بمهابة على حافة سهل أربيل الجميل، الذي تختزن أعماقه أسرار وتفاصيل غريبة لا تصدق، وتشرف على أرضه الواسعة، المشهورة بطيب هوائها وبمياهها الرقراقة العذبة، التي تنبع من الأعالي وتنحدر مع الصخور لتشكل جداول ما أروعها، وتطل على الطريق العام...‏

لاحت مئذنة المسجد شامخة. وبانت أغصان الأشجار المتعانقة. وظهرت البيوت الحجرية العتيقة، متناثرة على امتداد المساحة الخضراء المترامية الأطراف.‏

لفحتني وأنا أدخل أول منعطف، عذوبة الهواء، ورطب وجهي بنسيم ما بعد الظهيرة العليل، فدمعت عيناي وانتعش قلبي بنسيمات الخريف، الناعمة، الرقيقة، الباردة.‏

في بداية الشارع المؤدي إلى ساحة القرية والذي كان مظللاً بأشجار اللوز قبل حرقها أيام الحرب وجدت الصبي راضي بن سعدو يسرح بالبقرة عزيزة.‏

دهش لرؤيتي سائراً على قدميّ سلم عليّ فمازحته وسألته:‏

-قل لي يا راضي، هل السلماني في القرية؟‏

-لا.. منذ شهر وهو في أربيل. وأبي ذهب إلى عمك ليقص شعره... ألمني جوابه، وفتّ في عضدي. لأن كل مشاريعي ستتأجل...‏

تركته ومضيت، فألتقيت بعد قليل بموسى عائداً من جولته اليومية، يقود قطيع الخراف والماعز -أهلاً كاكاحمه... أهلاً... الحمد للّه على السلامة.‏

بادرني مرحباً بوجهه الطويل المبتسم، وحاجبيه المتصلبين.‏

كان يمسك بعصاه المعقوفة، ويشد وسطه بزنار جلدي ويستر رأسه بقطعة قماش. رددت التحية وسألته:‏

-ألم يأت عيسى؟‏

-عيسى في بغداد... ماذا تريد منه؟ أصدر أمر تعيينه؟ تركته ومضيت قدماً، مخترقاً الساحة حيث كان الأطفال يلعبون كرة قدم. اشتعلت الذاكرة فجأة فوقفت . تذكرت ملاعب طفولتي... الأصدقاء... وبرز شبح أحمد ابن المختار برفقة عمتي بتول وأخي رحيم، فبكيت.. وأصبح طيف أحمد أكثر حضوراً وهو يأخذ بيدي ويقودني....!‏

سرت بعد دقائق، فوجدت بانتظاري جمعاً حاشداً يقف عند مشارف البيوت وعلى عتباتها، وبقرب مقهى نصار، بحيث ازدحم بهم الممر الترابي الضيق.‏

استقبلني بعضهم بترحاب بالغ. وأمطرني آخرون بالقبل، وبأسئلتهم اللحوحة المستغربة:‏

-مضت خمسة أيام على غيابك! أين كنت؟ ماذا قال لك الطبيب؟ لم أنبس بحرف، مما زاد في استغرابهم. اكتفيت بالتطلع إلى وجوههم الصفراء المرتعبة، بحثاً عن وجه أمي. وحين لم أره بينهم تقدمت متثاقلاً، فأفسحوا لي لأمضي بعيداً.‏

تركتهم في حيرة. ومررت على دكان عمي حسن لأحلق رأسي. لكني لم أدخل لرؤيتي سعدو جالساً بين يديه. سلّمت وابتعدت قاصداً دارنا. أحسست من خلال نظراته ونظرات زبونة القلقة أن هناك أمراً غير طبيعي، لم يخامرني شك في سلامة عقلي، بل خفت على أمي وتلبّسني الذعر...‏

على امتداد الدرب احتشد الصبيان يتفرجون عليّ، بينما يتقافز الدجاج قربهم بحثاً عن طعام! مما زاد في ذعري، الذي سرعان ما تلاشى.‏

فعلى العتبة العريضة وجدت أمي تفترش سجادة صلاتها الصوفية تتربع، تسد الباب بجسدها القصير النحيف. المغزل الرفيع يدور بيدها وكيس الصوف ملقى جنبها كخروف صغير!‏

رأتني فنهضت، أخذتني بالأحضان وشرعت تبكي بدا وجهها الجميل يكتظ بالحزن والأسرار. تشع فيه عينان ثابتتا النظرات، تقرأ فيهما تأريخياً طويلاً من المعاناة والشقاء.‏


  اقتباس المشاركة