بينها وبينهم شبه كبير.
وعجب كيف فاته ذلك، ولم يلاحظه طوال السنين التي مرت، وشعر بالأسف والأسى والحزن، على العمر الذي ضيعه مع هذه المرأة.
لقد فضلها على منار.
مع أن منار هي الأقرب إليه، والأكثر تعلقاً به وإثارة، حيثما تحرك يجدها معه، كانت ظله الذي لا يفارقه، مفتونة بغنائه وأشد ما كانت تخافه وتخشاه أن يتوقف عن الغناء أو يساوم عليه.
ويوم راح العسس والمخبرون يطاردونه، وينصبون له الكمائن، كانت تخبئ غناءه في صدرها، حتى تجتاز مناطق الخطر، لتطلقه عصفوراً ملوناً في سماء المدينة.
وعندما كان يسألها عن الأسباب التي تدعوها للمخاطرة كانت تقول له: لأنه صوتنا جميعاً.
فيزداد انبهاراً بها، ومع هذا أخطأ.
أجل لقد أخطأ الاختيار. أمه وحدها عرفت أنه أخطأ الاختيار.
-هند لا تصلح زوجة لك.
-ولكنها تحبني.
-وهي تحب نفسها أكثر.
-أنت تكرهينها.
-لأن في طبعها خسة وأنانية، وسيأتي يوم تكون هي والزمن فيه عليك.
وما تنبأت به أمه حدث.
ارتفع النداء من داخله مثل صيحة من نار:
-لا تتردد، فتندم.
في حين قال الرجل الثاني القابع في داخله يخوفه:
-حذار انهم يراقبونك.
تجاهل الصوت. وأهمل التحذير. وسار في وسط الشارع مثل حصان جامح وهو يغني، غير عابئ بالسيارات والدراجات، والحافلات، والعسس والناس، وعيناه تتوهجان مثل غابة تشتعل في الليل، والناس ينظرون إليه مندهشين.
في البداية انطلق صوته ضعيفاً، خافتاً، مرتجفاً، متعثراً، ومتحشرجاً، آلمه ذلك وخوفه، فتوسل إليه ألا يخذله، وشيئاً فشيئاً أخذ صوته يقوى ويتعاظم وهو ينساح دافئاً، قاسياً وصلباً، وينداح في الشوارح والأزقة والحارات، يقتحم المنازل والأبواب، والنوافذ، يتسلق الأسوار والجدران، ويتجاوز العسس والحواجز، ويتناثر في الساحات والحدائق، وعلى الأسطح والأفاريز، ويعرش في القلوب الميتة ارتعاشة تشهق بحاجتها إلى الحياة، يعانق الأشجار، والورود، والأطفال، والسماء، والعصافير، فتصير شيئاً منه، ويصير شيئاً منها، يدخل في ماء النهر كالماء، يلتصق بالقاع، يحركه بعنف شرس حتى يختلط الماء بالطين والحصى، وتتفجر من داخله ينابيع كثيرة، ثم يخرج عارياً يلمع كالبرق، يفيض النهر، ويختلط هديره بغناء الرجل، ثم يروح يتداعى على الضفتين بساطاً من عشب ندي، وسنابل قمح، وأشجار نخيل.
قال الرجل الثاني: إنهم يتقدمون نحوك.
يقول له بهدوء: إنني أسمع وقع أقدامهم بوضوح.
يقول له: توقف إذاً عن الغناء.
يقول للرجل: ذلك هو المستحيل.
يقول له: أنت تنتحر.
يقول للرجل: سأنتحر إذا لم أغن.