تململ الرجل الثاني القابع في داخله بامتعاض، أحس بحركته رغم حالة الانتشاء والنشوة والفرح التي كانت تجتاحه وقد عرف الطريق، فازداد تمسكاً بأحلامه ورؤاه، وانفتح عليها بكل ما يملك من قدرة، شعر الرجل الثاني بذلك، وأدرك أن الرجل راح يتحرر من سيطرته شيئاً فشيئاً وقد يصل الأمر بينهما حد الافتراق والعداوة، فقرر أن يتحرك بسرعة ويعتقل اللحظة وأحلامها، لكنه عندما رأى الصحراء تنهض كالرمح، وتستقر في قلب الرجل نخلة وضياء، وتمسح من روحه الاستكانة والخوف والموت، أيقن أن معارضته لن تجدي شيئاً هذه المرة، وأن الصمت هو الأجدى، فهمد مثل جثة محنطة وصمت.
منار كانت تقول له: كل المسافات تبدأ بخطوة واحدة.
وفكر الرجل بحرقة: لكنني وحيد وأعزل.
وجدها الرجل الثاني فرصته التي لا تفوت، فقال له:
-ولا أحد يقف معك أو يساندك.
وعادت منار تشرق في الذاكرة مثل نجمة الفجر:
-لا تتردد. فما زلت قادراً على الغناء.
وانبعث النداء الخفي من داخله كالصرخةة محرضاً، وقد لاحظ تردد الرجل وحيرته.
-يجب أن تبدأ الرحلة وأنت تغني.
-قد أضل الطريق.
-أنا دليلك، فلا تتردد.
وامتلأ الرجل بالشموس الصغيرة، التي راحت تشرق في داخله، وتغمره بالدفء، والنهارات، والعذوبة، وتوقظ كل أحلامه المطفأة و الخائفة، والتي ما تخاذل يوماً في الدفاع عنها، حتى وهو يقف بين جلاديه.
وازداد فرحاً وتوهجاً وهو يحس بمنار تتحرك في داخله وهجاً متألقاً، تختلط بدمه، وتركض في شرايينه خفة ورشاقة وجرأة، وهي تصهل كالمهرة الجامحة، وتملأه بالحيوية، والرؤى العذبة والأغنيات، وبقوة هائلة تجتاحه مثل ريح مجنونة وبرغبة صادقة للغناء والرحيل.
وحيداً يجب أن يبدأ الرحلة.
ووحيداً يجب أن يعانق الصحراء.
سيجتاز المدن راكضاً وهو يغني.
دليله إلى هدفه هذا النداء الآسر المنبعث من داخله كالضوء، لن يتوقف أو يستريح حتى تحتويه الصحراء بكل هزائمه، وخيباته، وانكساراته، وأغانيه، وسيخلف وراءه كل الوجوه التي خذلته، أو خانته أو ساومت عليه.
المدن هي التي ستظل واقفة في مكانها، تجتر موتها، وتختنق بحشرجاتها، لن يلتفت إلى الخلف، ولن يحاول معرفة من سيتبعه أو يتخلف.
سيترك المدن وراءه وهو يغني.
فالغناء صديقه الوحيد الذي ما خانه، أو خذله، أو تخلى عنه، ورافقه حتى في سجنه، وافترش معه أرض الزنزانة في الليالي الباردة، وما تذمر أو تلجلج، أو بدرت منه شكاية، وفي ساعات اليأس، والإحباط، والإحساس بالهزيمة، كان يتصاعد من داخله حنوناً، أليفاً، يمد ذراعيه، ويحتضنه بحنان وألفه، يدخل مساماته، ويظل يهدهده حتى تسكن عذاباته، وتعود إليه روحه المفزوعة، فيصمت، يتمدد إلى جواره، ويظل يراقبه حتى يغفو وينام.
المدن هي التي خانته.
والمدن هي التي خذلته.
والمدن هي التي ساومت عليه.