Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 218

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 223
منتديات شباب فلسطين - عرض مشاركة واحدة - المغني والنخلة
الموضوع: المغني والنخلة
عرض مشاركة واحدة
قديم 05-14-2009, 10:44 AM   #2
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: المغني والنخلة

فوجوه الناس بدت له غريبة.‏

منذ أن دخل المدينة اكتشف ذلك.‏

وجوه لا تشبه وجوه الناس الذين كان يغني لهم قبل أن يعتقلوه ويدخل السجن، وإنما تشبه أرضاً خراباً ميتة، عيونهم فارغة مطفأة، وأرواحهم مسكونة بالصمت والخوف والوحشة، فارغون تماماً حتى من الحلم، والقدرة على الحزن.‏

كل ما حوله كان ميتاً ومطفأً والناس جثث تمشي، تتحرك وسط الشارع وهي ميتة غادرها الحلم والنبض ووهج الحياة، بلا إحساس أو مشاعر، أدمنت موتها واستراحت إليه، ما عاد يثيرها شيء أو يحرك رعشة في داخلها، كل ما فيها ميت، وما يصدر عنها مجرد حشرجة مخنوقة وبائسة تخرج منذ الصباح وهي ترفل بأكفانها، وتعود في المساء إلى قبورها وهي ترفل بأكفانها أيضاً، ورائحة العفونة تفوح منها وشعر الرجل بشيء يشبه الخوف يركض في شرايينه، عندما تخيل نفسه إحدى هذه الجثث، واختنق بالمرارة والبكاء، ومع هذا ظل يفكر.‏

عندما ساوموه على صوته، والكف عن الغناء، كانوا يريدون تفريغه من كل شيء، وتحويله إلى مجرد جثة منطفئة، تتحرك بدون حياة أو رغبات أو أحلام، عاجزة عن فعل شيء، وضمه إلى قطيع الهياكل التي تزدحم بها المدينة.‏

قال الرجل في داخله: ملعونة هي المدن.‏

وقال الرجل القابع في داخله: ملعون من يفكر مثلك.‏

دمعت عيناه.‏

وفي الروح انفتح جرح، راح ينزف.‏

كانوا يريدونه جثة مسلوبة الصوت، والإرادة، والفعل، مطيعة ومنفذة، ولهذا طلبوا منه أن يتخلص من صوته، ويكف عن الغناء، لأن غناءه خطر عليه، بقدر ما هو خطر عليهم، ومفسدة للناس.‏

وعندما رفض قالوا له:‏

-بعنا صوتك، وسنغنيك إلى يوم الدينونة.‏

زوجته قالت له:‏

-اقبل.‏

شيوخ العشائر قالوا له:‏

-اقبل.‏

الثعالب والضباع والأرانب قالوا له:‏

اقبل.‏

وحدها منار قالت له:‏

-حذار.ستصبح حياتك تافهة وبلا معنى.‏

من وقتها بدأت المواجهة، والمطاردة، والاعتقالات، وفر الأمان من داخله وأصبح لحياته طعم العلقم.‏

يزداد الرجل وحشة واختناقاً.‏

وجرح الروح ينفتح أكثر، يتسع أكثر، ويغزر نزيفه، فكل ما تقع عليه عيناه مؤلم. مخيف ومفزع، ويجعله أسيراً لهذا النداء الخفي الذي أخذ ينبعث من داخله كالضوء، منذ أن كان في السجن، بدأ هامساً، خجولاً، ثم أخذ يشتد ويتعالى، حتى تحول إلى ما يشبه الصراخ بعد خروجه من السجن، يسكنه ولا يغادره، حتى صار هاجسه الذي يعذبه ويرتاح إليه.‏

فمع هذا النداء، يحس أنه يجد نفسه التي لا يتنكر لها.‏

نداء يأتيه من كل الجهات.‏

دفعة واحدة يأتيه.‏

خفيفاً كالهواء، أسيراً كالغناء، عذباً كالمطر، قاسياً كالصرخة، ضارباً كالخنجر، يستولي عليه، ويزرع في داخله الدفء والحلم، والأمنيات، ويسافر به إلى أزمنة يشتاقها ولا تغادر أعماقه بالمرة، فيرتجف الخوف الذي يسكنه، ويتجرأ على الابتسام‏

-المدينة سجنك الآخر.‏

-والحل.‏

-في الرحيل وحده خلاصك.‏

يرتعش الرجل من داخله مثل وردة برية، دهمها البرق والمطر بعد طول انتظار، وعندما تسامق النداء في داخله نخلة تشبه منار، انفتحت روحه على فضاءات بكر، وعانقت الصحراء بشوق يمامة عاشقة، وتمتم بفرح كالحالم.‏

-وجدتها.‏

من الصحراء المبتدى والمنتهى.‏


  اقتباس المشاركة