كانا سعيدين ببعضهما بعضاً، بدا سلوكهما غريباً وشاذاً للشرطي القابع أمام مبنى حكومي كبير، وعندما قارباه انحنيا أمامه باحترام، وهما يضحكان، فتصورهما يسخران منه، شتمهما، وطلب منهما تفسيراً لسلوكهما، وعندما أكدا له أنهما غريبان عن المدينة، وأنهما سعيدان، ويريدان الوصول إلى الفندق، قال لهما بصوت حازم:
-ولكن هذا لا يمنع أن تكونا أكثر اتزانا.
وفي الوقت الذي تحركا فيه، كانت على فم الشرطي ابتسامة هازئة، ساخرة. مستنكرة. دفعتهما إلى مواصلة الضحك، ولكن بصوت مرتفع، فرح. وكان الشرطي وقتها يتمتم:
-ما يظنان نفسيهما. قيس وليلى.
انحنى وحمل القطة بحنان.
فاستكانت بين يديه بهدوء، وراحت تحدق فيه بعينين وديعتين، حانيتين، تماماً مثلما فعلت منار وهي تحتضر، أمسكت بيديه، وضغطت عليهما بشدة، وعيناها معلقتان في عينيه بحنان ووداعة، وبصوت خافت، متعب. محني الظهر وضعيف قالت له:
-إنني أموت يا حميدي.
-العيش بدونك مستحيل.
-ستعتاد فراقي.
انحنى عليها وقد دفعت كلماتها في داخله طوفاناً من الحزن، والعجز والرغبة في البكاء، لاحظت ما كان يعاني، فتعكر وجهها لحظة، ومع كل الألم، رسمت على وجهها ابتسامة شاحبة وذابلة.
كان وجهها هادئاً وجميلاً، رغم الشحوب الذي يغطيه، وكانت عيناها مطفأتين، وشفتاها جافتين وذابلتين، وأنفاسها تتدفق بإعياء، فأدرك أنها تحتضر، فارتجف قلبه خوفاً وهلعاً عليها، وضعت يدها في يده، وشدَّت عليها بوهن وهي تتمتم.
-وداعاً.
حافظ على الأطفال، فهم أمانتي الغالية عندك.
وقبل أن ينطق بكلمة واحدة، غفت مثل سوسنة نائمة، وخيم الصمت، ورائحة الموت على الغرفة، من وقتها دخل الحزن سرداب القلب، وصار لحياته طعم الدفلى.
انحدر إلى الشارع يترنح، ووجه منار السمح يحتل منه العين والقلب والذاكرة. كان الشارع طويلاً، وممتداً، والحركة معدومة فيه بالمرة، فالوقت بات متأخراً، والمدينة تغط في نوم عميق، وحدها الأشجار كانت تقف على جانبي الشارع، مثل أشباح أسطورية.
فجأة:
تملصت القطة منه، واندفعت من بين يديه كالطلقة، وراحت تعدو في الشارع، ركض وراءها. القطة تعدو، وهو يركض، بكل ما فيه من قوة كان يركض، شعر بالتعب يستولي عليه، خاف أن يفقدها فتحامل على نفسه، واستمر في الركض، والقطة تعدو أمامه بخفة ورشاقة، وكأنها في سباق معه ازداد تعبه، لاحت له سيارة قادمة من نهاية الشارع، والقطة تندفع نحوها بقوة، خاف عليها من السيارة، فازدادت سرعته، والسيارة تقترب، والمسافة تضيق، والقطة تعدو نحوها بإصرار.
صرخ بها يتوسل أن تبتعد، أو تتوقف.
استمرت القطة في عدوها السريع، أضواء السيارة الباهرة باتت تؤذي عينيه، وتعرقل رؤيته، تقلصت المسافة بين القطة والسيارة أكثر، القطة في منطقة الخطر، والسيارة تقترب، وبكل ما تبقى لديه من قوة، قذف بنفسه فوقها، وكما يحدث في الحلم تماماً، حدث كل شيء، فجأة يرتفع في الجو، كل الأشياء ظلت ثابتة في مكانها، وهو وحده الذي ارتفع، ووحده الذي كان في تلك اللحظة معلقاً بين السماء والأرض، ووحده الذي هوى، ليرتطم بالأرض الصلدة القاسية، ودواليب السيارة المندفعة بعرامة تهرسه، دون أن تتوقف، تأوه، تألم، اختلج، ثم همد، وعاد السكون يخيم على الشارع، في حين أقعت القطة بجواره، ساكنة، هادئة، وعيناها المطفأتان تحدقان فيه بحزن وبلاهة.