فقالت بسرعة:
- احمه أنت، ياسيدي!
قال الشيخ وعينه على الصبي النائم:
- ذلك ممكن، ولكن بشرط.
تساءلت في لهفة:
- وماهو هذا الشرط ياسيدي؟
قال الشيخ:
- الشرط أن أمنحه بركتي.
فتضرعت إليه:
- امنحه، ياسيدي، ولك ماتطلب من مال.
فحرك يديه إلى أعلى، وقال:
- المال مفروغ منه، فأنا أعرف ذلك من المرة السابقة، لكن...
فقاطعته في لهفة:
- لكن ماذا، ياسيدي؟
قال ببطء:
- لكن الأمر يتعلق بشيء آخر.
حضنت ابنها النائم، وقد عاد يبتسم مع الملائكة..بيدها اليمنى، وقربته من صدرها الدافئ، وسألته:
- ماهو هذا الشيء، قل لي، ياسيدي!
فطمأنها:
- لا تفزعي. إنه شيء بسيط، لا يستحق أي خوف أو فزع!
شعرت بالاطمئنان فعلاً، وقالت له:
- لك ماتريد . المهم أن يعيش ابني. حياته حياة أبيه، فهو فخور به جداً.
قال الشيخ في فرح:
- أنت تعرفين بركتي!
قالت بلهجة حازمة:
- طبعاً أعرفها القراءة على بطن الطفل في هذه المرة.
وضحك الشيخ حين شرعت في فك قماط الطفل، وقال لها:
- لا لا ياصبيتي! أعطيني الطفل!
وأخذ الطفل منها ووضعه على مقربة من مجلسه، وأضاف قائلاً:
- القراءة حقاً، ولكن ليس على بطن الطفل، ويضاف إليها شيء آخر.
فتنهدت وقالت:
- ألا ينتهي هذا الشيء الآخر؟ وماهو هذا الشيء، قل لي!
ولم يفكر الشيخ طويلاً، بل أسرع يقول:
-الحليب!
واعترتها الدهشة من جديد، وسألته:
- ماشأن الحليب ؟ لقد أخبرتك بذلك. فيه كفاية والحمد لله.
حرك الشيخ شفتيه كمن يتلمظ، ثم قال:
- لابد أن أبارك أيضاً الثديين ، اللذين يخرج منهما غذاء الرضيع.
قالت وهي تكاد تتفجر بكاء:
- هذا أيضاً!
مسح الشيخ بيدها على وجهها، وقال مهدئاً إياها:
- ألم تقولي أن لديك منه الكفاية؟ ألا تريدين أن يعيش ابنك؟ ألم تقولي إن حياته حياة أبيه؟
وأطرقت تفكر، فرفع رأسها إليه، وأضاف قائلاً:
- حياة لأبيه وبركة لي!
وغمرها حبها لزوجها، وحبها لفلذة كبدها، فخيل إليها أن كل هذا من أجلهما، كل هذا الذي تفعله لهما. واغرورقت عيناها حباً لهما، وكأنها لم تعد ترى غيرهما عبر هذه الدموع!
وبعد خروجها حاملة بين ذراعيها طفلها كما دخلت، بقي الشيخ جالساً في مكانه يضحك. وتجشأ بحدة، ثم ضرط بحدة أكثر، وحين دخلت الزائرة الموالية، ظهر له أن يؤدي فريضة الصلاة قبل أن يحقق رغبتها ويمنحها بركته!