وانصرف كل منهما إلى فاتنته، وحين توقفت الموسيقى، أخذاهما إلى مائدتهما، فانزعج أبو سيف، ولم يطمئن لنظرة الفتاتين، فقد حدثه قلبه أن وراء ذلك شيئاً ما غير مريح، فخرج على أن يعود إليهما في وقت متأخر. وعاد هلال ولكحل إلى الشرب والرقص، وأكثرا منهما معاً.. فقد كان في الجميلتين ما يشجع على ذلك.. وطال بهما الشرب والرقص إلى ساعة متأخرة، بعد منتصف الليل بفترة طويلة.
وفي فترة الاستراحة ذهبا معاً- واليد في اليد- لافراغ الزائد من مياههما.. فقد أصبح الحريق لا يحتمل.. وكانا قد دفعا قبل ذلك ما طلبته الفاتنتين، لأن الحفل كان على وشك الانتهاء. وعندما رجعا لم يجدا للفتاتين أثراً، فبحثا عنهما في زوايا المرقص المختلفة دون جدوى. وأخذ الجميع يتفرقون وهما لا يزالان يبحثان عن فاتنتيهما. ولم ينفعهما سؤالهما النادلَ عنهما. ولم يكونا يدركان في البداية لماذا يبحثان عنهما.. فقد كان رأساهما ثقيلين.
وخرجا إلى الشارع، وراحا يتحاوران بكلمات متلعثمة. ولمس هلال جيبه، فعبر جبينه خيط الصحو، وقال في فزع:
- نسيت محفظة نقودي.. وعلبة سكائري!
فلمس لكحل إثر ذلك هو الآخر جيبه وصاح:
- جواز سفري.. هويتي! ربما وقع مني هناك حين نزعت سترتي.. من حر الرقص! بفعل الشراب!
وأسرعا إلى المرقص، ووقفا أمام المائدة متمايلين إلى حد ما، وسألا النادل والنادلة.. وهما يرتبان الكراسي والموائد.. ولكنهما نفيا أن يكونا قد عثرا على شيء ما.. لا على محفظة نقود ولا على جواز سفر.. ولا علبة دخان على قلة أهميتها في هذه الحالة. ووقفا لحظة أمام المائدة.. وكأنهما يطالبانها بإرجاع المحفظة وجواز السفر.. الهوية! وعندما يئسا عادا إلى الشارع مرة أخرى. وجلسا فوق الرصيف، وراحا يتحاوران، ولكن حوارهما كان في هذه المرة من نوع آخر. وقال هلال وهو يكاد يبكي:
- لابد أن تكون هي.. تلك الحفيدة الملعونة! حرمتني في حالتي هذه من لذة التبغ.. ومن متعة المال!
فعلق لكحل، وهو يكاد بدوره يبكي:
- وأنا أخذت مني هويتي، لعنة الله عليها!
ومر بهما أبو سيف وهو عائد إلى بيته في نشوته، وعرف حالهما، فأخذ يضحك من كل قلبه، ثم تصلبت ملامحه فجأة، وقال:
- لقد شعرت بالأمر دون أن أعرف حقيقته.. الآن عرفت. خدعتكما يهوديتان!