رد: الطوفان الأزرق
سترين! إنه سيصدقونني، أنا شخصية علمية معروفة بالذكاء والاتزان... أقل واجباتهم نحوي الاستماع إليَّ وتصديق ما أقول...
وتنهدت كارول، فقال نادر متحسراً:
- هل ستساعدينني؟
فأمسكت وجهه بين يديها وضمته إلى صدرها...
كانت الشمس قد بدأت ترسل لهيبها على أجنحة النخيل... وبدأ السراب يتراقص كأفاع خفية تغطي السهول والتلال... ووقف الدكتور نادر ينظر إلى كارول وهي في بذلة عمل زرقاء تزيت لواليب محرك الحوامة، فسأل:
- متى سنقلع؟
- عند نزول الليل. لا يمكننا أن نطير نهاراً، وإلا تعرضنا للاعتقال والاستنطاق...
وبعد نهاية الصيانة أخذت كارول أدوات استحمامها وتوجهت نحو العين. وظل نادر يجول الواحة بحثاً عن آثار وجوده هناك مع تاج عند نزولهما الأول. ودون قصد وجد نفسه أمام العين حيث وقفت كارول عارية تستحم، قد غمرت أشعة الشمس الدافئة جسدها الوردي المتناسق. وحين رأته قادماً نحوها أسرعت تبحث عن الفوطة لتتستر بها في خجل أنثوي حلو... ووقف الدكتور نادر متكئاً بيده على ساق نخلة ينظر إليها في ارتباكها ويضحك. وعندما التفت بالفوطة سأل:
- ما هذا الخجل المفاجيء؟ كنت تدخلين غرفتي عارية...
وردت مندهشة:
- أنا؟!
ثم عادت تستدرك:
- أعتقد أنه رد فعل غريزي عند المرأة عند ظهور أي رجل... ثم هناك تغير البيئة. العودة إلى الطبيعة البدائية له مفعول تراجعي على عقلية المرأة. ربما... ألا تظن؟
وهناك فقط رن جرس حاد في رأس الدكتور نادر، وهو ينظر في عينيها وهي تحاول تفادي عينيه، فاعتدل في وقفته وعاد الجد إلى ملامح وجهه، فتقدم نحوها خطوات، وقال بصوت حازم:
- انظري إليّ! انظري في عيني...
فرفعت رأسها وقد ارتعشت يداها الطريتان على الفوطة المضمومة إلى صدرها، وارتجفت شفتاها كأن تياراً بارداً سرى في جسدها. وأمسك الدكتور نادر بوجهها بين كفيه، وركز عينيه الحادتين في عينيها لحظة، ثم همس متسائلاً:
- تاج؟
ولم تجب.
وارتعدت فرائص الدكتور نادر، فترك وجهها وابتعد قليلاً إلى الوراء مأخوذاً بصدمة المفاجأة.
وهنا تكلمت كارول مادة يمناها إليه:
- كنت أمل أن تتعرف عليّ.... يشهد الله كم تعذبت وأنا أريد أن أُفْصِحَ لك عن سري الغريب.
وأخرجته كلماتها من خَدَرِه، فسألها:
- ماذا حدث؟
- عندما طلبت أنت من معاذ إطلاق سراحي لم يكن في إمكانه ذلك، كان قد أشاخني وأهرم جسدي إلى حد التفتت والاندثار...
- ولماذا فعل ذلك؟
-كان يريد أن يستخرج مني معادلة الدكتور ناجي التي كان قد وضعها لشل جهاز "معاذ" الفكري وإرجاعه إلى حالته الأولى، آلة مطيعة... كنت قد عثرت عليها هنا في هذه الواحة مع البدوي الذي أراد اغتصابي. أتذكره؟ لقد حاولت أن أقول لك، ولكنك كنت جريحاً غائباً عن الوعي.
فسأل نادر مستغرباً:
- وإذا كنت أعطيته المعادلة، فلماذا أصر على إشاختك؟
- كان يريدني أن أنساها، بعد أن سردتها عليه من الذاكرة، وما كان ليُنسيني إياها إلا كبر السن، وضعف الشيخوخة...
وتنهدت بعمق، وتقاطرت الدموع على خديها، وهي واقفة حافية القدمين على الصخرة الملساء. ومد الدكتور نادر يداً في محاولة لتهدئة روعها ثم أرجعها إلى جانبه غير قادر على لمسها وكأنها شبح من عالم آخر..!
وتابعت تاج شرحها محاولة أن تجنبه الإحراج:
- حي أعتقني "معاذ"، خرجت روحاً بلا جسد...! وبقيت هائمة وراءك حتى عثرت على جسد كارول، هذا الجسد الواقف أمامك.... ورأيت حزنك عليها وتلطفك معها، فأحسست بأنه كان هناك بينكما إعجاب متبادل... وحالما ذهبت أنت عنها، تقمصت جسدها، وعدت فيه إلى الحياة التي لم يكن عمري بها قد انتهى بعد...
ومرت فترة صمت قضاها الدكتور نادر في صراع داخلي ممزق. وأخرجه من سرحته صوتها وهي تقول:
- لقد فعلت هذا من أجلك..! فهل تقبلني في جسدها هذا؟
ورفع يديه في حركة مترددة، وكأنه كان يتمنى لو لم تقل ذلك، وقال:
- أرجوك! ليس الآن! دعيني أهضم الموقف الجديد!
فقالت تاج متراجعة:
- أنت على حق... أعتقد أنه سؤال ظالم وفي غير وقته! الأجسام البشرية ليست فساتين تلبس وتخلع! سامحني إذا كنت أحرجتك؟
فوضع وجهه في كفيه، وقال:
- لاتعتذري، أرجوك... أتميِّ استحمامك الآن، وسنتحدث بعد ذلك...
|