رد: الطوفان الأزرق
ورد نادر بنبرة مخلصة:
- لن أبدل تلك الفرصة بالدنيا بأسرها!
- ستنتظر عشر دقائق، ثم تطعم البطاقة للجيب أمامك، وتضغط على زر التنشيط، الهيكل
الميكانيكي سيبقى حياً...
- نعم.
وغاب الوجهه خلف سحابة كثيفة من البخار، ودارت جميع الآلات بسرعة، وبرقت الأضواء في
مربعات ملونة حول نادر وهو جالس في مكانه.
وفجأة سكتت الآلات وانطفأت الأنوار داخل جوف فوهة "معاذ" ولم يبق إلا نور أزرق بارد
يغلف القاعة.
وبرزت على المربع أمام نادر بسرعة من عشر دقائق، تعد الثواني وتقسمها إلى ستين جزءاً.
وقعد ينظر إليها وهي تتحرك ويسترق النظر إلى فوهة "معاذ" لعله يرى علامة حياة.
ومرت الدقائق العشر وكأنها عشر ساعات! وما وقف العقرب على الرقم حتى دفع نادر البطاقة
داخل الجيب أمامه، فعادت الأضواء والحركة والأصوات، وعاد وجه معاذ إلى الظهور وقد زادت
لحيته وشعر رأسه طولاً، وبان على وجهه الإعياء والإجهاد، وبادره نادر السؤال:
- "معاذ"! هل تسمعني؟
ورفع هذا عينين ثقيلتين، وحرك رأسه بنعم، فبادر نادر:
- ماذا رأيت؟ هل ذهبت إلى هناك فعلاً؟
- عشر دقائق غير كافية. أعطني ساعة هذه المرة.
وعادت البطاقة البيضاء فمر نادر عليها بأصابعه. كل إحساسه قوياً بأنها غير الأولى.
وظهرت الساعة أمامه وعلهيا ستون دقيقة هذه المرة، وبدأ العد العكسي. وغاب وجه "معاذ" في
الظلام ودارت الأضواء بسرعة ثم توقفت، فحدث صمت معلق لا يسمع خلاله إلا دوران عقرب
الثواني السريع على الساعة أمام نادر.
وترك نادر مقعده وقام يذرع الغرفة الخافتة الإضاءة جيئة وذهاباً.
وبعد أربعين دقيقة عاد يجلس وقد أنهكه التعب وتوتر الأعصاب. ونظر إلى البطاقة أمامه ثم
قلبها بين يديه، وجلس ينتظر والعرق يتقاطر على صدره وظهره وجبينه.
ودقت الساعة نهاية الستين دقيقة، فأمسك البطاقة بيد مرتعشة وهم بإدخالها في الجيب بوجهها
إلى أعلى حيث يشير السهم.
ولمعت في ذهنه فكرة خاطفة جعلته يقلب البطاقة ويدخلها في الشق عكس اتجاه السهم. وفي
نفس اللحظة ظهر وجه "معاذ" وقد احتقن واحمرت عيناه وهو يفتح فمه يحاول الكلام فلا يستطيع،
وكأن يداً فولاذية قد انطبقت على عنقه...
|