رد: الطوفان الأزرق
فأجاب فوش:
- أنت تنظر إليها الآن... لم يبق منها فوق إلا خمسة يرأسهم كرونين. ولا ندري ما سيكون مصيرهم عندما لا تبقى "لمعاذ" بهم حاجة.
وأطرق نادر مفكراً وقد اختلطت عليه الأمور، ثم رفع رأسه ليسأل:
- ماذا تتوقعون مني؟
وتكلم هالين:
- أن تفهم هذا، وتنضم إلينا. قريباً ستصبح أبناء الأرحام الصناعية سادة "الجودي" وعبيد "معاذ" يبرمجهم كيفما أراد. وبما أنهم لا علاقة لهم بعالمنا الخارجي ولا تربطهم به عاطفة ولا جذور فسيكون من السهل على "معاذ" أن يمثل دور الإله بزرع بشرية من صنعه بدل البشرية الحالية.
وعاد نادر إلى السؤال:
- وإذا لم أتفق مع افتراضاتكم هذه؟
وبانت نظرات القلق والفزع والشحوب على بعض الأوجه المحيطة به. وتكلم هالين.
- فكر في الموضوع الآن. لا تتخذ أي قرار عاجل.
- ماذا لو اكتشف معاذ هذه المؤامرة؟
وتكلم فوش:
- الحمد لله! ما تزال عندنا بعض الحكمة الإنسانية. لا يا عزيزي الدكتور نادر، لم يكتشفنا "معاذ" بعد. سلطته لم تصل إلى مَخْبإنا هذا. ولنا وسائلنا للتخفي. ولكن ليس معنى هذا أننا سنبقى بعيدين إلى الأبد. فعقله الإجرامي الشرير ما يزال يبحث عنا.
وتدخل الدكتور هالين:
- الدكتور فوش هو مخترع الصرصار المزروع تحت جلد الرأس لاكتشاف الأمراض وعلاجها قبل وقوعها، وكذلك للإنقاذ من المخاطر في أعمال بناء "معاذ". وقد غير "معاذ" آلياتها بحيث أضاف إليها الصوت والألم الحاد للتجسس والسيطرة على الجودي". والدكتور فوش يستطيع إبطال مفعولها باختراعه الجديد. ولولاه لانفلق رأسك أو أصبت بانفجار في المخ إذا لم تعجل بتلبية طلب "معاذ" والذهاب إليه في الحال!
ومر نادر بكفه على قفاه وتحسس اللوح المعدني المزروع تحت جلده ثم حرك رأسه في يأس وقال:
- لا يمكن أن يكون هذا حقيقة. لابد أنني أحلم..! أعاني من كابوس طويل.
وأغمض عينيه ثم فتحهما، ولخيبة أمله كان الجميع ما يزالون حوله يحملقون فيه.
ووقف في مكانه ودار حول الكرسي حيث ولى الجماعة ظهره وهو يفكر بذهن غير منتظم. وأخيراً التفت وقال:
- اسمحوا لي أيها السادة إذا لم أصدق كل هذا. لقد قبلت البقاء "بالجودي" لعدم إيماني بالمعجزات. لرفضي الدجل والخوف من الغيب والأرواح. والآن تواجهني معجزة تحول الآلة إلى مخلوق حي. بل تجاوز الحياة إلى العقل، وأصيب بالجنون! أخشى أنه سيكون علي أن أثبت ذلك لنفسي بنفسي. ووقف ينظر إلى الحلقة البشرية نظرة تحد وقد تسمرت عيونهم عليه، وساد الصمت.
وبعد لحظة أشار فدراك إلى سيدة بجانبه أمامها لوح أزرار ملونة، فأسرع هالين إلى التدخل مادا ذراعه نحو السيدة.
- أرجوك. ليس بعد! دعوني أشرح له.
وأحس الدكتور نادر بفزع سرت معه برودة في أعضائه، ولم يملك أن سأل:
- ماذا؟ هي ستاقبونني على اختلافي معكم؟
|