رد: الطوفان الأزرق
سنوحد برامج التعليم، بحيث يجتاز الطفل في سن مبكرة جميع التجارب العقلية والعاطفية التي يجتازها الإنسان العادي في حياة كاملة. ومنها التجربة الدينية. فلن يكون هناك مجال لبقائه في مستوى الوثنية أو الإيمان والخوارق والغيبيات إلا ما يكفي لتجربته ونضجه. وبعدها يصبح مخلوقاً حراً جديراً يتحمل مسؤوليات الوجود الإيجابي، بدل وجوده الاعتباطي والعشوائي الحالي..
وسكت معاذ. واحتجبت العين الهائلة خلف قطرات مطرية رقيقة...
وبقي عقل الدكتور نادر يغلي. والتفت إليه الدكتور إسكندر:
- هل لك أسئلة أخرى؟
- ملايين منها! يمكن أن أقضي الأيام والليالي على هذا الكرسي!
وظهرت العين مرة أخرى، وجاء صوت معاذ:
- بدنك في حاجة إلى غذاء وراحة الآن. لماذا لا ترجع في المساء لإتمام حديثنا.
ووقف الاثنان فودعا "معاذ" واحتجبت العين في عتمة الكهف. وتعاقبت الصور والأشكال الغريبة في ومضات سريعة كأنها خواطر تسبح في بال.
وعندما هم الاثنان بالخروج لمح الدكتور نادر بجانب عينه وجهاً أومض من داخل الكهف في رمشة عين واختفى..
وسرت في فرائضه رعدة غريبة... كان يمكن أن يقسم أنه وجه "تاج" وهي فاتحة فمها في استغاثة، وقد تطاير شعرها خلفها وكأنها هاربة من مطارد...
والتفت نادر بسرعة نحو الكهف، وركز بصره إلى الصور البارقة.. ولكن الأوجه التي ظهرت بعد ذلك كانت لرجال.
قال الدكتور إسكندر شارحاً:
- تلك الأوجه تحمل معاني وذكريات بالنسبة لمعاذ. وهو ما يزال يحتفظ بها كما يحتفظ الواحد منا بوجه في ذاكرته. بعض أولئك ما يزال حياً والبعض مات والبعض اختفى..
ووقف الدكتور نادر ينظر إلى وجه امرأة عجوز شمطاء يمر بطيئاً هذه المرة من جانب لجانب ثم يختفي...
وخرج الاثنان من القاعة.
واختلطت مشاعر الدكتور نادر. فقد كانت روعة اللقاء بمعاذ قد ملأت نفسه وأثارت جميع جوارحه.. وأسدل ظهور وجه تاج ستاراً من الألم والتأمل على أحداث اللقاء..
وقصد نادر رأساً إلى سطح البحيرة حيث تفرغ لاجترار ما أتخم ذهنه..
وعادت تطارده صورة الرجل الذي رآه بجانب البحيرة، وهو يقاوم قوة خفية تجذبه نحو أجمة كثيفة...
-39-
ومرت الأيام
واستمرت لقاءات الدكتور نادر بمعاذ، وتشعب الحوار بينهما، ونادر يلقي بالحجة بعد الأخرى لإقناع "معاذ" بالعُدول عن فكرة "الطوفان الأزرق"، وهذا يأتي بحجج من واقع الأحداث العالمية اليومية التي كانت تدل دلالة واضحة على انزلاق الدول الكبرى في هاويات التنافس في التسلح الدفاعي والهجومي، وضياع طاقة الإنسان والأرض في محاولات يائسة للتحرر من الخوف والوقاية من الفناء...
وكان الدكتور نادر يقضي أوقاتاً جميلة مع صديقه الدكتور هالين عند نزول المساء حول البحيرة...
وكانت كارول غالباً ما تنضم إليهما هناك، فيتحدث الثلاثة ومن ينضم إليهم حتى وقت العشاء، وينزل الجميع إلى المطعم، ولم يكتم الدكتور نادر عن صديقه إيريك هالين شكوكه ومخاوفه من وجهة نظر "معاذ" المتطرفة، رغم أن الفئة التي تشاركه فيها قليلة العدد، عديمة التأثير...
وتساءل نادر:
- يا هل تُرى يمكن احتواء "معاذ" والسيطرة عليه!؟ أم هو حر، يفعل في ملكه ما يشاء؟
وأجاب الدكتور هالين:
- سيطرة اللجنة العليا تامة على معاذ. وهناك مفاتيح لا يمكن بدونها أن ينفذ أي قرار من قراراته..
وتدخلت كارول في الحديث:
- وماذا لو استطاع التوصل إلى معادلة صنع المفاتيح؟
|