رد: الطوفان الأزرق
أحياناً أفكر أنني سأستيقظ بعد لحظة لأجد نفسي أحلم أو أقرأ قصة خيالية...
- سمعتك تذكر "جبل الجودي"، أليس ذلك رمزاً إلى الجبل الذي رست عليه سفينة نوح؟
- بَلَى سمى العلماء الأولون هذا المكان بجبل الجودي للشبه الكبير بين قصتهم وقصة نوح.. هربوا من عالم أوشك على الغرق، هذه المرة في طوفان الإشعاع النووي! وأملهم أن يبقى هذا الجبل جزيرة آمنة داخل طوفان الموت القادم عند اندلاع الحرب الثالثة... جبل الجودي إذن رمز له دلالته!
- سؤال آخر، من المسؤول عن اختطافنا، أواستقدامنا إلى هنا؟
- يمكن أن أقول معاذ. ولكن مواهبنا هي المسؤولة الأولى في الحقيقة. تخصصي أنا في مقاومة الإشعاع، والتزامك الفلسفي بإنهاء عصر التضامن الديني وإعداد البشرية للطفرة التطوريه الجديدة. ثم نظر إلى ساعته ووقف باسطاً كفه لنادر:
- على أنا سعيد للغاية بوجودك بيننا .. سأعود إلى عملي وسوف أراك غداً، ينبغي أن ترتاح الآن.
وصافحه وهم بالخروج، فاستوقفه نادر قائلاً:
- إيريك.
- نعم.
- عندي سؤال أخير. أرجوك أن تجيبني عنه بكل صراحة.
- ما هو؟
- تاج، أين هي؟
- تاج تحت الإشراف الطبي. كانت أصيبت هي الأخرى بلمسة إشعاع.
- هل ستعيش؟
- الأطباء ساهرون عليها.
- هل ستشفى؟
- لا أدري. ولكن لا ينبغي أن تيأس، فعندنا من وسائل مقاومة الإشعاع ما لا يتوافر في العالم الخارجي مجتمعاً..ثم ألقى عليه نظرة عطف وأضاف:
- أرجوك، لا تقلق.. سأعملُ جهدي!
وأقفل الباب خلفه وترك نادراً وقد انسدلت غيمة حامية من الدمع على عينيه، فأشاح بوجهه حتى لا تراه "كاثي".
-25-
استيقظ الدكتور نادر مبكراً في الصباح الموالي. فتح عينيه داخل الغرفة البلورية المضاءة بأشعة زرقاء ناعمة فوجد نفسه على حافة الفراش الواسع. والتفت يميناً ليجد "كاثي" نائمة على طرف السرير بجانبه. كان منظرها وهي مغطاة بشعرها الذهبي تجسيماً للسلام والطفولة البريئة.
وكأنما أحست أن أحداً يراقبها، ففتحت عينيها الواسعتين، وابتسمت دون أن تتكلم، ومدت يدها نحوه فوضع عليها يده. قالت:
- كيف أصبحت؟
- بخير.
- أصابك كابوس مزعج، هل تتذكر شيئاً؟
- لا.
- أضطررتُ إلى إعطائك مسكناً حتى تكف عن الاستغاثة والارتعاش. كنت تسبح في العرق..
- غريب، لم أتذكر شيئاً!
ونهض من الفراش فوجد نفسه قادراً على الحركة دون ضعف. ودخل الحمام فاغتسل وحلق. وحين خرج كانت "كاثي" تنتظره بسلة في يديها. قالت:
- سنفطر في الهواء الطلق..
- فكرة حسنة.
وناولته قميصاً أبيض وبنطلوناً فارتداهما، وتبعها خارج الغرفة. انقفل الباب خلفهما آلياً فنظر الدكتور نادر حواليه ليرى ممراً طويلاً كأنبوب زجاجي لماع أضواؤه مدفونة في حيطانه كأنهار من سائل الفسفور.
وأدهشه المنظر الرائع الذي وجد نفسه أمامه.. بحيرة واسعة زرقاء يحيط بها الأرز والسنديان، وحولها شواطىء رملية أنيقة وصخور بيضاء عالية تلقي على الرمال الذهبية ظلالها الكثيفة.
ونزع حذاءه وانطلق نحو الرمل. ثم رفع قميصه وخاض الماء فأنعشته برودته. والتفت إلى كاثي:
- هذه مفاجأة سارة!
- هذه أرض المفاجآت..
|