رد: الطوفان الأزرق
علي، كيف أنت الآن؟
- أنا بخير... هذا الصباح قال الطبيب أنني شفيت تماماً... ولكن من أي مرض؟ لا أدري! قالت لي الممرضة أنني أصبت بالإشعاع كيف؟ لا أحد يريد الإجابة عن أسئلتي. وأنت؟ متى عدت إلى الظهور؟ لقد أثار اختفاؤك ضجة عالمية!
وأجاب الدكتور هالن:
- ستعرف كل شيء في حينه. أعرف أن برأسك ألف سؤال تريد الجواب عليها... وعندما تعرف أين أنت ستتوالد الأسئلة لتصبح ملايين.
- لقد أيقظت فضولي بغموضك.. وإذا كنت تخاف أن تفاجئني أو تصدمني بما سوف تقوله فلا تقلق.. لقد مررت خلال الأيام القلائل الماضية بتجربة عمر كامل... ولم يعد هناك ما يفاجئني..ومسح الدكتور هالن نظارته، ووضعها على عينيه، ونظر إلى نادر بتأمل صامت. ثم لَعَقَ شفتيه بلسانه، وقال ساهماً بعينيه في الفراغ:
- من أين سأبدأ؟ أعتقد أن البداية أحسن نقطة... وينبغي أن أنبهك إلى أن ما سأقوله شيء غير عادي... ولكنه حقيقة لا خيال فيها، وإن كانت أشبه ما تكون بالخيال...
وفتحت هذه المقدمة شهية الدكتور نادر، فأمسك بطرفي اللحاف في توقع متوتر. واستأنف الدكتور هالن:
- سألتني متى عدت للظهور، في الحقيقة أنا لم أظهر، بل أنت الذي اختفيت. اختفيت بنفس الطريقة التي اختفيت بها أنا من الطائرة بين نيويورك والمغرب...
وفتح الدكتور نادر فمه ليسأل، فاستوقفه الدكتور هالن بحركة من يده.
- تم الاختفاء بالتعاون مع الطيار والملاح المنتميين للهيأة التي أنت ضيف عليها الآن. تنزل الطائرة إلى ارتفاع مناسب يقل معه الضغط الجوي، ويلقى بك منها بمظلة ليلتقطك أعوان الهيأة في نقطة معينة بالبحر أو الصحراءfأبدأ. وتتم العملية تحت تخدير شامل لبقية الركاب.
- كان ينبغي أن تسمع الضجة التي قامت حول اختفائك بلندن! كان لها نفع مباشر لناشر كتبك، فقد اختفت كلها من السوق، والمطابع تحسك ضلوعها لتجيب رغبة الجمهور الجائع لأخبارك وأفكارك.
- وما هي هذه الهيأة التي لها كل هذه القوة؟ وما هو قصدك من اختطافي أنا؟
فلست خبيراً في الإشعاع ولا أي علم مربح تجارياً.
- سأشرح لك. منذ بعض وعشرين سنة، أي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، قررت هيأة من العلماء الفرار بمواهبهم وبحوثهم من أوربا إلى مكان مجهول يدفنون فيه كنزر نتاج العقل البشري وتراث الإنسان منذ بدأ يقلب وجهه في السماء.. كان خوفهم حقيقياً من قيام حرب ثالثة ذرية تمسح البشرية من الأرض وتقضي على خمسة آلاف سنة من الكدح العقلي.. فوقع اختيارهم على جبل في جوف واد شاسع بقلب الصحراء بعيد عن كل طريق، أطلقوا عيه اسم جبل الجودي.وبقي اتصالهم بالعالم الخارجي دائماً بطرق معقدة للحصول على المجلدات المهمة والسجلات القيمة والأشرطة الموسيقية والسينمائية التي تسجل حياة الإنسان وذخائر مواهبه. وبالتقدم السريع الذي حدث في العشرين سنة الأخيرة أمكن فيها إلى حد بعيد. وكبر المشروع ومعه الهيأة. وتم استقدام عدد كبير من العلماء الرواد في ميادينهم، والفنانين والأدباء والصناع المهرة في جميع المهن. وينبغي أن أعترف أن استقدام بعض أولئك لم يكن بالطرق التقليدية...
وابتسم وهو يشير للدكتور نادر ولنفسه ويقول:
- مثل استقدامنا نحن! ولكن بعد الاطلاع على ما يحدث في جبل الجودي يقرر الجميع البقاء، وينسون العالم الخارجي في خضم ما يحدث هنا من خوارق واكتشافات تجعل حياتهم السابقة شبحاً ضحلاً ميتاً.. وأنت رشحتك أبحاثك الطليعية في علم الإنسان لعضوية الهيأة. وبترشيحك هذا أصبحت شريكاً في أعظم مشروع! مشروع الإشراف على تشكيل مستقبل الإنسان.. بل على كتابة "سفر تكوين" جديد، لايَدَ للصدفة أو العشوائية فيه.
وسكت قليلاً ليجمع أفكاره، ويترك لكلامه فرصة لأخذ مفعوله، ثم استأنف:
- الإنسان كما تعرف أصبح الآن على مفترق الطرق بين طفرة تطور جديدة كالتي أخرجته من عصر الحلقة المفقودة إلى عصره البشري. القرائن كلها تدل على أن عقله قد نضج لقفز المرحلة. وقد استطاع علماء البيولوجيا هنا عن طريق بعض المواد الكيماوية الجديدة، وخاصة "النيروسين" أن ينشطوا بقية أجزاء المخ التي ظلت كسولة منذ تطور الإنسان الأول. وقد فتح هذا الكشف طاقات جديدة وعوالم وآفاق ضاربة في المجهول... ويمكن أن أقول إنه في عقل الإنسان من التقدم ما يوازي تقدمه المادي ألف سنة من الآن. هذا أصعب للشرح بدون تمثيل، وسوف ترى بنفسك حين تبدأ العمل، وتتعلم استعمال "معاذ".
وقاطع الدكتور نادر مستفسراً:
- "معاذ؟"
-نعم. "معاذ" ليس اسم شخص، بل اسم عقل اليكتروني بناه العلماء لخزن الكنوز البشرية في أصغر مساحة ممكنة، وبالتالي الإطلاع عليها في أسرع مدة ممكنة، وسوف أمثل لك على ذلك.
|