ولم يغمض لنادر جفن حتى أنهكه السهر والتعب والتفكير في مصيرهما. وظل ينصب إلى أصوات الصحراء الغامضة، وينظر من فتحة الخيمة إلى تلالها البعيدة تقترب وتبتعد أو تعلو وتنخفض كصدور هائلة تنتهد... وجاءت الريح تعوي عواء الذئاب وتهرُّ هرير وحوش الليل... وحين أنهطه التوقع والتوتر استسلم لسبات عميق أشبه ما يكون بالإغماء.
وقبيل الفجر استيقظ على صوت أنثى تحركه وتنادي باسمه، ففتح عينيه ليرى شبح وجه تاج وسوالف من شعرها تتدلى على وجهها.
- علي... علي.. أفق..!
- ماذا؟
- أفق، اسمع...
وجلس هو في مكانه يفرك عينيه ويرهف سمعه، وهو ما يزال تحت تخدير النوم. فقالت تاج:
- هل سمعت؟
- ماذا؟
- صوت آلة ميكانيكية، لعلها طائرة أو مروحية، تأتي به الريح...
وزحف الدكتور نادر خارجاً من تحت المظلة، ورفع وجهه يُحملق في السماء ويرهف سمعه. وارتفع صوت المحرك آتياً من ناحية الجنوب، فالتفت بسرعة وركز بصره إلى الأفق. وفجأة ظهر شبح ملتف في زرقة الليل العميقة صاعداً من وراء التلال، فتبين من حركات مروحته الضخمة أنه طائرة عمودية تكاد بطنها تلمس رؤوس الكثبان الرملية...
وبدون تفكير وقف الاثنان يلوحان للطائرة، ويقفزان ويصيحان بأعلى صوتهما بحماس هستيري.
واقترب الشبح فحلق فوق النخيل وارتفع زئيره فأغرق أصواتهما في دويَّه الهائل... وانتفض سعف النخيل وجذوعه بقوة، وتبعثرت الرمال، وتماوج شعر تاج وعباءة الدكتور نادر تحت الزوبعة التي أثارتها مروحة العنقاء الحديدية.
ومرت الطائرة سريعة دون أن تلوي على شيء، واختفت في الأفق الشمالي بالسرعة التي ظهرت بها.
وارتجفت تاج، وهبط قلب الدكتور نادر من خيبة الأمل، وهو ينظر إلى الشبح يختفي في حلكة الليل ويسمع صوته يتلاشى شيئاً فشيئاً...
ولم تمض دقيقة على مرور الطائرة حتى سمع الاثنان صفيراً حاداً فوق رؤوس النخيل، ورأيا شهاباً نارياً أشبه ما يكون بسهم يحترق يمرق بارقاً في نفس اتجاه الطائرة العمودية... ولم تمض إلى لحظة قصيرة حتى لاح لعينيهما برق خاطف تلاه صوت انفجار هائل...والتفتا نحو الشمال فإذا ضوء وهاج ينير الأفق خلف التلال.
وظهر الفزع على وجه تاج، ففتحت فمها دون أن تنطق، وتساءل الدكتور نادر:
- أرأيت؟ لابد أن السهم الناري الذي مرق كان صاروخاً أسقط الطائرة. يا ترى ماذا يجري هنا في قلب الصحراء؟
ولم تجب تاج فقد كانت ترتعش في موقفها، فلم يدر الدكتور نادر هل من البرد أم من الخوف، فأحاطها بذراعه وضمها إلى جنبه لينزل على نفسها بعض الطمأنينة...
ثم قال:
- لابد أن حرباً سرية دائرة في هذا القفر السحيق ونحن في خط النار.
وارتجفت تاج فقادها نحو الخيمة.
- تعالي ندخل الخيمة. على الأقل نتستر من البرد.
واستلقى الاثنان دون أن يغمض لأيهما جفن. ومرت لحظات ظناها ساعات وهما يتسمعان إلى الأصوات الغريبة. كانت في نية الدكتور نارد أن يستوقف أي جندي يمر عبر الواحة ويطلب منه أن يدلهما على مكان هيأة الأركان.
ومرت ساعة وهو ينصت بتركيز كبير لعله يسمع صوت وقع أقدام على الرمال خارج الخيمة.. ومرت ساعة أخرى أفقده فيها النعاس والتعب القدرة على التركيز فأغمض عينيه ونام...