قالت: ماذا يفعلون؟ يرقصون؟
قال: ليس تماماً. إنهم "يتحيرون"!
قالت: يتحيرون؟ وما معنى ذلك؟
قال: الحيرة نتجت عن جلسات مفكري الصوفية وحلقات مناقشتهم. كانوا يجتمعون كل مساء لدراسة التوحيد والجدل والتفلسف في وجود الله، خلوده، ووحدانيته، القضاء والاختيار، النبوة، بقية الأديان، كل شيء يتعلق بمكافحة الشك الذي كان يستشري بين طبقات المثقفين حينئذٍ. وإرجاع الطمأنينة إلى الضمائر والإيمان إلى القلوب.
قالت: ولكن كيف نتجت "الحيرة" عن جلسات معقدة المواضيع، وهي مجرد حركات تعبدية وطقوس بدائية؟
قال: الحيرة معناها فيها... هي الذهول الناتج عن اصطدام العقل البشري الضعيف بالحائط الجبار. وفي لغتنا الدارجة مثل هذا المعنى أعتقد أنه نزل إلينا من أيام الصوفية، وهو "اللي حقق يحمق ويغيب عن عقله!" لابد أن هذا ما كان يحدث عندما تنغلق الأبواب، ويتيه العقل في المجهول. يبدأ الجميع بالتوسل إلى اللهوطلب الهداية، وتتحول الحلقة إلى ندوة أشعار وغناء، وكلها تعبير عن حب الله والفناء في ذاته، ويتحول المجلس إلى مرقص صاخب ظاهره تمجيد الله، وحقيقته احتجاج على العجز الفطري المورث في الكيان البشري.
قالت فاتحة فمها وهي تشير بأصبعها إلى حلقة الذكر والحضرة وعيناها تتألقان:
- أتعني أن هذا كله نتيجة لذلك؟!
وحرك رأسه موافقاً، فقالت:
- هذا يفسر كثيراً من طقوس المجتمعات المتخلفة. لابد أن لرقصاتهم وحركاتهم المعقدة أصلاً في الحضارت الأولى قبل فسادها وعودتها إلى الخمود. لابد أن كثيراً من العقول اصطدمت بنفس ما تسميه بالحائط الجبار قبل آلاف السنين. حتى قبل أن تجىء الأديان لتنقذ الإنسان من إحراق عقله!
وربت نادر يدها الرخصة قائلاً:
- من يدري؟!
وبعد صلاة العشاء التفت الشيخ إلى نادر وقال:
- أعتقد أنه من الأليق أن تتعشى مع السيدة حرمك. فقد أمرت لكما العشاء في الخيمة.
وشكره الدكتور نادر وودعه وعاد إلى الخيمة حيث كانت تاج تنتظرهُ بالعشاء.وبعد الأكل أحس الدكتور برأسه يثقل وبأجفانه تقفل وحدها، ولم يشعر حين أخذه النوم.
وجاء الصباح مبكراً. أرسلت الشمس من خلف التلال والكثبان أشعتها في سماء واسعة الآفاق. وإلى الغرب كانت النجوم ما تزال بيضاء تلمع كدنانير البلاتين.
فتح الدكتور نادر عينيه ونظر من تحت غطائه إلى السماء. كانت رجلاه باردتين، فانكمش ليدفئهما. وفجأة أحس إحساساً قوياً بالوحشة. كان الصمت مطبقاً حواليه، وبدأت القشعريرة تسرى إلى بدنه. فأزاح الغطاء عن وجهه ليجد أن الخيمة ذهبت، وأن الواحة مقفرة موحشة لا أثر فيها لإنسان...
ووقف ليمسح ببصره الأفق لعله يرى أثراً للقافلة. لاشيء يتحرك على مد البصر. وأحس بالرعب يمسك قلبه بيد نحاسية باردة! وكاد يقفز حين مست كتفه يد تاج، فالتفت محاولاً تفادي عينيها.
ودار في مكانه، ثم ضرب برجله الأرض قائلاً بمرارة:
- أنا ومواعظي!
وواجهته تاج بأعصاب هادئة وقالت:
- لا تلم نفسك!
- لو لم أتطوع أن أعمل كطبيب نفسي لابن الشيخ لما كنت أنزلت غضبه علي وعليك أنت البريئة!
- الشيخ كان خائفاً من مسؤولية وجودنا في القافلة على كل حال. كان يعتقد أننا جواسيس مغاربة على موريطانيا. وربما بتركه لنا هنا قدم لنا خدمة. من يدري ماذا كان في نيته؟
- لقد وعدني بتوصيلي إلى السينغال، إذا أقنعت ابنه بالعودة إليه وعدم محاولة الهروب. وأنا متأكد أنه سمع حديثي إلى ابنه، فقرر أن يتركنا هنا تحت رحمة الصحراء ووحوشها وجهلنا بموقعنا فيها.