وسمع أنفاس تاج عميقة، فأدرك أنها نامت عنه وهو يتفلسف، فابتسم وتغطى وأغمض عينيه.
ولما أفاق سمع أصواتاً وغناء ودق دفوف آتية من بعيد، وبقي لحظة ينظر إلى عمود الخيمة ويتساءل أين هي.
المغامرة كلها كانت كابوساً طويلاً بالنسبة إليه. ولكنه أفاق ليجد، لخيبة أمله، أن الحلم هو الحقيقة وأنه ليس في غرفة نومه بشقته بلندن، حيث يخرج يده من تحت الغطاء ليشعل الراديو ويستمع إلى آخر الأخبار، قبل أن يغادر الفراش.
وتساءل يا ترى ماذا تقوله الصحف والإذاعات والتلفزيون عنه في لندن. إذا كانوا أخبروا أنه مات فلابد أن الخبر واصل إلى أهله بالمغرب، وأنهم سيعانون أحزاناً وآلام لا داعي لها.
ومن جهة أخرى، حين يظهر هو بنفسه في لندن، سيحدث انفجاراً في الصحافة ووسائل الإعلام كلها. وسيعامل كشبح عاد من عالم الأموات. ولم يفته أن مثل هذه الشهرة ستجعل الناشرين يتهافتون على كتبه، حتى التافه منها! لذلك عليه أن يعود سريعاً.
وسمع نحنحة على باب الخيمة ثم ندا رجل باسمه، فصاح:
- نعم!
- الشيخ يطلبك. صلاة المغرب قريبة.
وخرج فتيمم على صخرة ملساء، ثم لبس حذاءه وتبع دليله إلى حيث أقبل على جميع غفير من رجال القافلة في دائرة كبيرة حول شيخهم وهو يتحدثون.
وصافح الشيخ الدكتور الذي سلم مبتسماً على الجماعة، وجلس إلى جانب الشيخ.
كانت الشمس تكاد تلمس الكثبان الممتدة غرباً وهي تنزل في بطء وجلال إلى مغربها.
والتفت إليه الشيخ متفقداً:
- لعلك ارتحت الآن قليلاً.
- ذلك بفضلكم وحسن ضيافتكم يا مولانا. السيدة وأنا في أحسن حال، ولا يقلقنا إلا انزعاج أهالينا وربما يأسهم علينا.
وحرك الشيخ رأسه وأشار بيديه معاً مصبراً له بحركة رشيقة.
- لابد من الصبر الآن. أنتما في أمان، وحين تعودان إلى بلدكما سيفرح أهلكما. ولكننا هنا محدودون بقوانين الصحراء. لا يمكن أن نتحرك حتى نأخذ الإذن منها. وأنت ما تزال تذكر العاصفة الرملية التي أحرقت طائرتكم. إنها تنقل الجبال، وتغير وجه الأرض فتضلنا عن الطريق.
- لاشك عندي أن خبرتكم يا مولانا بالصحراء وخباياها وتغير وجوهها لا يمكن أن تخدعها زوبعة أو إعصار. رجل الصحراء يشم الاتجاه ويحسه...
ورفع الشيخ رأسه فجأة لينظر إلى ناحية الخيام، والتفت جميع من كان في الحلقة من رجال معممين ملثمين بعمائم زرق، ونظر الدكتور نادر فلم يجد شيئاً غير عادي، ولم تمض بضع ثوان حتى ظهر رجل يجري نحو خيمة الشيخ.
- مولانا! مولانا!
- ماذا؟
- ولدكم فارس!
- ماذا أصابه؟
- لقد هرب! فكَّ القيد وهرب!