رد: الطوفان الأزرق
وتأتي موجة هائلة فتغطيهما، فيحس برغبته تتقلص، والبرد يسري في عظامه والألم حاداً في بطنه... وتنظر تاج إلى بدنه، وينظر هو إلى حيث تنظر فيرتاع.. ويكتشف أنه بدون جنس... فيوليها ظهره، ويعدو بكامل قواه، ودموع اليأس تتقاطر على خديه، وصرخات البؤس تمزق قلبه. وتتبعه هي مبسوطة اليدين، تناديه بلغة لا يفهمها، ولا تلبث أن تذهب بها الرياح.
وأفاق من كابوسه يتقاطر عرقاً وينتفض من الانفعال والإرهاق العصبي...وقام من فراشه فذهب إلى الحمام حيث رش وجهه بماء بارد، وراح يتمشى داخل غرفة الجلوس، ويرفع أستار النوافذ ليرى ضوء الفجر الذي كان يشرف على الانبلاج.
وعاد إلى غرفة النوم، فرفع سماعة الهاتف، وأدار رقم تاج، فجاءه صوتها نائماً.
- تاج، هذا علي.
- كم الساعة؟
- لا أدري. انتظري. الخامسة صباحاً.
- ماذا حدث؟
- لا شيء يا عزيزتي. اغفري لي إزعاجك، ولكن لابد لي أن أتحدث إلى مخلوق بشري. وأنت نوعاً ما مسؤولة عن انزعاجي بطريقة غير مباشرة.
- أنا؟!
- لا تنزعجي! أنا أمزح. أتذكرين حديثنا عن جزيرة واق الواق؟
- آه!
- الليلة رأيت حلماً مزعجاً كنت أنت فيه معي في تلك الجزيرة...
- ما هو هذا الحلم؟ هل يمكنك أن تقصه على؟
- فيما بعد.. الآن أريد أن أقول لك، إنني مستعد للذهاب إلى "فيجي" ولا يهمني إذا لم أرجع إلى لندن أبداً...
وجاءه صوت تاج مليئاً بهجة وسروراً:
- لا أدري ما أقول يا علي... الآن لا يهمني أن أنام... لقد طار النوم عن عيني...
- ما قولك إذن في الفطور معاً؟
- سأكون عندك في ظرف نصف ساعة.
ووضع السماعة وقام للاستحمام.
وفي طريقهما إلى المطعم لاحظاً اسم الدكتور هالن وصورته على واجهات محلات الصحافة واسمه مكتوباً بالحروف الكبيرة على الصفحات الأولى، فاشتريا مجموعة من الصحف لفها نادر تحت إبطه ليقرأها على مائدة الفطور.
ونظرت تاج إليه بعد انتهائه من قراءة الصحف متسائلة فرد:
- لا جديد...
وتخشب وجهه الشاحب، وساد الصمت المائدة.
-10-
تحرك التاكسي اللندني خارجاً من "كارلايل سكوير" إلى "كنجزرود" يدرج على مهل في طريقه إلى مطار (هيثرو). ومن داخله كان الدكتور نادر وإلى جانبه تاج ينظران إلى الشوارع المكسوة بالثلج، وإلى السيارات وهي تخوض الوحل البارد، وتلقي به على الأرصفة.
كان الثلج قد تساقط الليلة السابقة، وتراكم على سطوح البيوت وحيطان الحدائق المنزلية القصيرة وظهور السيارات الواقفة.
وكان المارة يخوضون المزيج المتذاوب بأحذية المطاط الشتوية بحذر بالغ خوف الانزلاق.
والتفتت تاج إلى الدكتور نادر:
- هل أنت نادم على مغادرة لندن؟
فمط شفته السفلى، ثم قال:
- لندن كالزواج، من فيها يريد الخروج منها، ومن خارجها يريد الدخول إليها.
واتسعت عينا تاج، ووضعت يدها على صدرها في مفاجأة واندهاش.
|