رد: الطوفان الأزرق
-5-
رفع الدكتور نادر عينه إلى السماء لينظر إلى الغيوم الحمراء تعكس أضواء المدينة المكتظة كأنها تحترق. ونظر حواليه ثم تحرك ليقطع "سلون سكوير" نحو "كيكزرود". كان المشي أحسن أوضاعه حين يجنح للتفكير. وقفز خياله من موضوع في ميادين بحثه الأنثروبولوجي، وهو يحاول الخلاص وإفراغ دماغه من تلك الأفكار المتساقطة في ذهنه دون رغبة منه.
وأحس أنه يرفع مظلته ويلوح بها ليطرد تلك الأفكار التي اجترها ذهنه أياماً طويلة حتى فقدت طعمها، وأفقدته الاهتمام بالميدان الأنثروبولوجي كله.
ونظر حواليه ليتأكد من أن أحداً لم يلاحظ حركاته اللاإرادية وهمهماته المكتومة فيتهمه بالجنون.
أحس الدكتور نادر بالقنوط والضيق يدبان إلى روحه دون أن يعرف لهما سبباً.
وتردد في خياله صدى تعليق صديق زاره وهو في نوبة ضيق ويأس، فقال له، بعد نقاش طويل حول الزواج والحياة السعيدة:
"شعورك بالضيق واليأس قد يكون مصدره عدم إيمانك بعالم الروح. ومن عالم الروح الحب، الحب حتى في تعبيره البدني.. البدني.. البدني.. البدني!".
"ترددتِ تلك الكلمة في ذهنه بأصداءَ وأصواتٍ وأبعادٍ مختلفة حتى بدأ يحرك رأسه بعصَبية ليرميها خارجه.
وأخيراً وقف وجهاً لوجه أمام فتاة طويلة ذات شعر غابي مفلفل بآلاف الخواتم، وعلى عينيها نظارة حمراء باهتة بإطار نحاسي، وهي تمضغ العلك. وأحس بالحرج فنظر حواليه ليرى جمهوراً غفيراً يغادر سينما "الكلاسيك".
وأحس بالطبول التي كانت تدق داخل دماغه تسكت فجأة، وبالصمت والسلام يخيمان على روحه. وشعر برطوبة الجو تُلامس وجهه الملتهب، فأقفل عينيه واستنشق نفساً طويلاً من نسيم الليل البارد، وأخرجه ببطء والتذاذ.
ولم يدرك أنه ترك وراءه "كارلايل سكوير" حيث يسكن، إلا حين وجد نفسه على شارع "ريد كليف جاردنز" فدخله ووقف ينظر إلى بوابة "مقهى الفنانين" الذي سمع عنه كثيراً ولم يزره قط. وأحس بالإعياء فجأة، فقرر أن ينزل إلى المقهى ويتناول فنجان شكلاط ساخن، ويضيع نفسه بين الناس والموسيقى.
|