رد: الطوفان الأزرق
هل رأيته أو إحدى زميلاتك يغادر مكانه؟
- لا، عهدي به نائم منذ منتصف الليل، حين انطفأت جميع الأضواء الرئيسية. على كل حال، عدت من الدرجة الأولى لآتي بكوب ماء.
وسأل صحفي فرنسي:
- هل كان الدكتور هالن مسافراً بالدرجة الأولى؟
- لا، قال لي بنفسه إنه يكره الدرجة الأولى، لأنه لا ينسجم مع ركابها!
وسرت قهقهة بين جمهور الصحفيين، واستأنفت المضيفة:
- ولكنه كان يحمل تذكرة الدرجة الأولى، وحين عدت من هناك كان الكرسي ما يزال فارغاً. ورأيت امرأة تخرج من أحد المراحيض الأمامية وطفلاً من الآخر. وبقى المرحاضان الخلفيان مقفلين. وعدت إلى الجلوس مع زميلاتي، دون أن يكون بالي مشغولاً بشيء. ولاحظت ببطء ثقيل علامة "فارغ" على باب مرحاض خلفي وقلت في نفسي لعل الدكتور هالن دخل المرحاض ونسي أن يقفله وراءه.
وفي هذه اللحظة بالذات قامت زميلتي "إيلين" ففتحته، وقبل أن أناديها لأنبهها كانت قد دخلت، وأقفلت خلفها الباب.
وهنا رن جرس حاد في مخى.. وقمت بسرعة إلى المرحاض الآخر. وكانت العلامة على قفله تقول "فارغ" فدفعته ونظرت بداخله. لا أحد! وأصبت بقشعريرة..وبدأ ذهني يعمل بسرعة العداد الإلكتروني. وانثالت عليه ملايين الأسئلة:
"أين ذهب الرجل؟ هل دخل قمرة الربان!".
وذهبت بسرعة أقطع الممر الطويل كأنه ألف ميل، لعلي أجد الجواب عن سؤالي. وفتحت باب القمرة على الطيار والملاح، وهما يحتسيان القهوة. ونظر الملاح إلى وجهي فرأى علامة الذعر. فسأل ممازحاً:
-ماذا؟ هل يطاردك شبح؟
- قد تكون على حق!
ثم أقفلت الباب ووليته ظهري، وأنا أحاول السيطرة على أعصابي. وقلت لنفسي:
"مهلاً مهلاً! لا داعي إلى فقدان أعصابك! لا يمكن أن يختفي إنسان على متن طائرة سابحة في جوف الليل. سوف أبرد أعصابي، وأمسح بعيني جميع المسافرين مرة أخرى. وبدأت بالدرجة الأولى. لم يكن هناك إلا أربعة ركاب. وخرجت منها إلى الثانية حيث بدأت بالصفوف الأولى. واخترقت الممر، أقف عند كل صف حتى أتأكد من هوية كل فرد، إلى أن وصلت النهاية، فهويت في مكاني واضعة يدي على وجهي مما أقلق زميلاتي، فانهلن عليَّ بالأسئلة:
"ماذا أصابك؟ هل أنت مريضة؟
وكشفت عن وجهي لأقول لهن: "لاشيء. لعلني أحلم أو أومن بالأشباح. هل نمت؟
هل أغمضت عيني ورحت في إغفاءة ما؟"
فقلن: -"لا، ألا تذكرين أننا تحدثا طول الوقت بعد نهاية العشاء؟ لماذا؟"
فقلت: "أجبنني عن هذا السؤال، هل الدكتور هالن معنا على هذه الطائرة؟".
فقالت: إيلين باستغراب: "طبعاً معنا! وأنت التي كنت تتحدثين إليه بالسويدية طول فترة العشاء للتتأكدي من أن "ش.ب" تحصل على أحسن خدمة".
"فوضعت يدي على وجهي مرة أخرى وقلت لهن:
"أرجو أن تبحثن عنه وتُرينني إياه".
وتضاحكن. ثم بدأ الشك يخامرهن. فقمن يبحثن عنه في مكانه. وبحثن في المراحيض. والأركان ووراء الملابس المعلقة والبار والمقهى ومدخل مستودع الأمتعة. وحسبنا الركاب بالمقارنة مع لوائحنا، فوجدنا أن الدكتور هالن كان معنا، ولكننا لم نعثر له على أثر. بل اكتشفنا أن رفيقه الشرقي قد اختفى هو الآخر! وعند ذلك اجتمعنا نحن الأربعة فقررنا أن نعلن الخبر للربان".
|