رد: بطاقة السحرية
مكث السرجان على تلك الحالة، متكئاً على المصرف، شادر الفكر، سارحاً في خيالات شتى متناسياً القهوة، مدة من الزمن، حتى أيقظه رجل يدلف من الباب بصوته الرنان الطاغي على الصمت المخيم والجوّ المختنق، تصافح الصديقان وتبادلا التحيات بحرارة، سر السرجان لرؤية صديقه القديم بومالح عبد المالك الذي وصل القرية في نهاية الصبيحة، قادماً من العاصمة لزيارة عائلية، احتضنه السرجان بقوة كالغريق الذي يتشبث بقطعة خشبية لعلها توصله إلى الشاطىء قائلاً.
- بعثك الله إلي في هذا اليوم الملعون، لتنفذني من تعنت بعض الرعاة، لماذا لم تضرب لي تليفوناً من العاصمة، لانتظرتك.
- خير إن شاء الله.. لا تقلق يا سي أحمد.. الدنيا مليئة بالرجال، كلمتك في البيت منذ ربع ساعة وقيل لي بأنك خرجت راجلاً، فقلت إنك لا تكون إلا في المقهى، أو عند بعض زملائك.. الحمد لله أنني وجدتك، هكذا تكون لدينا فترة أطول للمناقشة، وسأبذل قصارى جهدي لمساعدتك..هيا بنا نبحث عن مكان بارد خارج القرية تحت الأشجار.. الجو مختنق في المقهى.. لا يطاق..
- اشرب حاجة باردة أولاً ثم..
قاطعه بومالح عبد المالك برفض مأدب ولكن السرجان أصرّ وألح وطلب له ليمونادة، فأسرع النادل وحطها أمامه بارتباك بعد ذلك غادر الرجلان المقهى يتجاذبان أطراف الحديث، متوجهين إلى سيارة بيجو 504، رمادية اللون ممعدنة، تعكس أشعة الشمس المنثالة بلا شفقة، إلى درجة يصعب النظر إليها ببصر ثاتب لمدة طويلة، كانت متوقفة في الشارع الرئيسي مقابل المقهى مباشرة، لاحظ السرجان أن السيارة جديدة، وصلت لتوه من ميناء مرسيليا، ما زال النيلون يغطي المقاعد الداخلية، فبارك لصاحبه الاقتناء اللامع والباذخ، وسأله عن ثمنها ودون انتظار استرسل صاحبه في سرد تفاصيل متعددة عن كيفية الشراء وتدبير العملة الصعبة بنسبة منخفضة، وكيف أنه توصل إلى التحصل على رخصة لاستيراد السيارات الخاصة من وزارة المجاهدين، رغم أنه اقد استفاد من رخصة أولى قبل قبل سنوات واشترى بها سيارة أيضاً، مما أعفاه من دفع ضريبة الحمركة، وكيف أخرجها من الميناء في يوم وصولها وهي معبأة بالبضائع المتنوعة من جهاز الفيديو والزرابي وقطع غيار والملابس الفاخرة وصندوق موز من النوع الرفيع دون أن يدفع ديناراً واحداً، لكونه يعرف صديقاً قديماً يشتغل جمركياً برتبة نقيب، انتظره عند النزول من الباخرة وساعده على العبور فوراً حارقاً طابور السيارات التي ينتظر أصحابها منذ يوم أو يومين، متذمرين خائفين ومستعدين للتنازل عن لباس أو خرطوشة من السيجارة الامريكية الفاخرة، أو زجاجة ويسكي، كي يتخلصوا من الطابور الممل والتفتيش والمستفز، الذي يمتد نصف نهار كامل إذا كانت السيارة التجارية معبأة إلى حد الفيضان، انطلقت السيارة الفاخرة، المكيفة عبر الشارع العريض وقبل أن تجتاز البناية الأخيرة انعطفت إلى اليمين وسلكت طريقاً ترابياً، مخلفة وراءها غباراً متطايراً، لم يزعج الرجلين لأن النوافذ الزجاجية المدخّنة السوداء مقفولة، وأنغام الموسيقى تنطلق من الراديو كاسيت المثبت في الوسط أسفل لوحة القيادة.
|