رد: بطاقة السحرية
التفتت الخزرات كلها نحو الرجل النحيل السن، الذي انتفض وافقاً، مؤيداً كلام مصطفى عمروش وروى ببطء وقائع تلك الليلة بتفاصيلها مع التأكيد على جميع الأقوال الواردة كأن لم يمر على الوقائع الا شهورٌ قليلة، ما زالت ذاكرته حية ومنقوشة نقشاً عميقاً ومتيناً.
- في أي سنة، حدثت هذه الزيارة الليلة؟ تلعثم سي حميد وتلكأ لمدة ثوان ثم أجاب، محركاً يده اليمنى في حركة دائرية تابعة لنبرات صوته المترددة.
- الله أعلم.. إن لم تخني ذاكرتي كان ذلك في سنة 1959...
ولم ينتظر السائل اكمال الجواب فوقف، وعلق قائلاً:
- أربع سنوات قبل الاستقلال.. الله نفسه يقبل التوبة حتى في فراش الموت، فكيف للجبهة أن لا تقبلها؟ هل فعل السرجان بعد ذلك، شيئاً يخالف أوامر الجبهة؟ هناك في المجاهدين من كان في الجيش الفرنسي موجهاً الرشاش ضد "الخاوة" ثم التحق بالثورة قبل سنة من الاستقلال ومع ذلك فهو اليوم مجاهد وثوري ومسؤول في أجهزة السلطة، فكيف تُقبل توبة البعض ونُرفض توبة البعض الأمر والسرجان على كل حال لم يحمل السلاح ولم يقتل أحداً خلافاً للبعض.. وأضم صوتي لصوت شيخ البلدية لأقول أن البطاقة بالنسبة لسي أحمد، لا تنفعه، لا تضره كما أنها لا تضر منظمة المجاهدين.. والقرية تستفيد من ثروته وتنهي مشكلة من المفروض أن لا تظهر أصلاً.
ساد ضجيج وسط القاعة لأن ثلاثة رجال وقفوا دفعة واحدة ونطقوا معاً غاضبين ورافضين الاقتراح، كل واحد منهم أصرّ وألح على أن يتكلم قبل الآخرين مما اضطر أمين الفرع لأن يتدخل ويفرض الانضباط ثم منح الكلمة لأكبرهم سنا ، تدخل وأفاض في الحديث ناقماً على الخونة والتجار الجشعين السارقين الذين لا يخافون الله وأن صلاتهم وصيامهم باطل ووصل به الغضب إلى شتم السرجان ونعته بأرذل الصفات.
تحمل رئيس البلدية قليلاً ثم رفع صوته لأن يوقف هيستريا الرجل، فلازمته في ذلك بعض الأصوات المؤيدة مما خلق جواً مشحوناً واتهامات ثنائية متبادلة بصوت مرتفع أجش، إلى أن وصل الأمر برجلين إلى التعارك الجسدي، فتدخل الآخرون لتهدئة الجوّ.
وبعد ذلك غادر القاعة بعض العصبيين من الناقمين على السرجان، رغم الحاح مصطفى بألا يفعلوا، كثر الهرج والمرج واختلط الحابل بالنابل وارتفعت أصوات جهورية في فوضى متشابكة، يصرخ الجميع ويهدد ولا أحد يستمع صخب يتعالى وضجيج مزعج مما أضطر مصطفى بعد استشارة الرجلين إلى الإعلان عن اختتام الاجتماع على أن يعقد في يوم لاحق سيحدد فيما بعد.
|