رد: بطاقة السحرية
الفصل الثامن
غصت القاعة الواسعة بالمجاهدين الذين لم ينقطعوا عن الحديث الحار، بل أصر معظمهم على استحضار حوادث الأمس وروايتها بحماس مفرط مع اسناد الدور البطولي الأول لأنفسهم بكل تواضع واعتزاز مع اشراك الحاضرين كمشاهدين صادقين آمنين على أقوالهم، تبعثروا عبر ارجاء الصالة الواسعة مثنى وثلاثى ثم اختاروا لأنفسهم الأماكن الملائمة ومكثوا ينتظرون الافتتاح الرسمي للاجتماع، كان مكتب المنصة مرتفعاً قليلاً عن بقية الكراسي ومغطى بمقاش سميك أزرق اللون، وخلف المنصة على الجدار، بمسافة أقرب إلى السقف منه إلى البلاط علق اطار خشبي بداخله صورة شمسية لوجه جاد وصارم، يفرض الهيبة ويبعث في نفوس المحدقين إليه طويلاً شعوراً يمتزج فيه الخوف والاحترام إلى درجة التقديس، بصر نافذ، وشلاغم كثة سوداء، احتلت نصف الوجه، كانت الصورة بالأبيض والأسود ويبدو على الاطار الخشبي مسحة من الغبار تراكم عليه سنوات، ربما لم تنظف الصورة منذ تعليقها أول مرة، كأن الخادم لم يجد الجرأة الكافية لمواجهة البصر الثاقب المتحدي والاقتراب منها لإزالة الغبار المتراكم عبر الأيام والشهور، تأخر مصطفى عمروش قليلاً في مكتبه منشغلاً بجمع الوثائق لاحضارها إلى قاعة الاجتماع وفيما كان يستعد للخروج، دخل عليه رئيس البلدية وصافحه بحرارة غير اعتيادية وابتسامة عريضة نفعية، رجل في مقتل العمر، قوي البنية وأصلع الرأس، اشتغل "مُسَبِّلاً" أيام الثورة وساعد كثيراً من الشبان على الالتحاق بصفوف الجبهة وجمع الاشتراكات الشهرية من السكان بطريقة ذكية جعلته يقدم كمية مالية مرتفعة في نهايةكل شهر إلى المسؤول المكلف بايصالها إلى الأخوة في الجبال، ذاق مرارة السجون والتعذيب بعد وشاية مجهولة ومكث زهاء سنتين إلى أن أخرج في غمرة أفراح الاستقلال حينما فتحت أبواب السجون على مصراعيها ولفظت من بداخلها قبل أن يتعفَّن، خاض معركة انتخابات المجلس الشعبي البلدي مراراً فكان عضواً عادياً في الفرة الانتخابية الأولى ثم أصبح نائب رئيس البلدية في الفترة الانتخابية الثانية إلى أن تقلد أعلى منصب في قرية عين الفكرون في الانتخابات الأخيرة وبمساعدة كبيرة وجلية من السرجان الذي كان يرافقه دوماً في الحملة الانتخابية ولم يكن يتوقف أو يمل من مدحه وذكر خصاله كرجل صالح للخدمة العامة، وكن السرجان سخياً في توزيع أمواله على الذين يشك في كسب أصواتهم، مما أدى به إلى الاعلان قبل أسبوع أن تقديم المشروبات الساخنة والباردة سيقدم مجاناً في مقهاه يوم الانتخابات، الناس تشرب وتزيد بلا حساب، خزينة السرجان هي التي تدفع وإذا انتخب صديقه رئيساً للبلدية سيقيم حفلاً باذخاً لجميع أهل القرية بلا تفريق بين الأصدقاء والأعداء وسيكون المشوي هو سيد المأكولات وكل المصاريف هدية من السرجان إلى قرية عين الفكرون، في تلك الأيام كان المرشح بصحبة السرجان يعرض كل المشاريع الاقتصادية والاجتماعية التي ستنقل نهائياً القرية من التخلف والعزلة، وذلك بمساعدة مقاولات السرجان الذي أخذته غيرة لا حد لها على قريته الفقيرة، فأراد أن يعمل لإخراجها من الوحل لتكون في مستوى استقبال أكبر المسؤولين في الحكومة دون خجل، لم يكن مصطفى عميروش ينتظر مجيئه، ولم تكن تربطه علاقة متينة كالتي تربط بين صديقين حميمين يتمتعان بثقة متبادلة ويملكان ماضياً مشتركاً يجمعهما، أو يقرب شعورهما بالألفة والطمأنينة، تعرف عليه بعد الاستقلال في اجتماعات المجاهدين، فأصبحا يلتقيان مراراً للنظر في بعض القضايا المشتركة، ولم يكن مصطفى عمروش يجهل صداقته بالسرجان، ابتسم في داخله ساخراً ومستهزئاً لقد أدرك بحكم التجربة قصده من هذه الزيارة الخفيفة، " ها قد جاء "المير" ليرد جميله إلى الذي أوصله إلى الكرسي الوثير، جاء الكلب يدافع عن سيده ويصد عنه الأعداء، اشترى السرجان بماله نصف رجال القرية وأوصلهم إلى مناصب لم يكونوا يحلمون بها وها هم اليوم يظهرون مخالبهم للذوذ عنه واعطائه حقاً لا يستحقه مثلما أعطى لهم مالاً ومناصب لا يستحقونها، سخاء متبادل لكنهم لا يعرفون مصطفى عمروش، رأسه صلب كالاسمنت المسلح، إذا تماسك لا يكسره أحد وناشف كالصحراء القاحلة، تحفر ألف كيلومتر بالبلدوزر الروسي ولا تعثر على قطرة ما، وإن كانت لا تصلح حتى لشرب البقرة سأمرغ أنوفهم في الوحل وأمسح بهم غبار الشوارع ليدركوا أن الرجال رجال وان دارت الدنيا على قفاها يصمدون أمام الرعود والبروق والزلازل والفيضانات الهوجاء والرياح العاصفة التي تكنس في طريقها أشجار الكاليتوس والصفصاف مثما تكنس البعوض والفراشات.. دعهم ينبحون إلى غاية البحة ثم البكم.. قالوا ناس زمان "القافلة تمر والكلاب تنبح، خليهم ينبحوا".. صباح الخير سي مصطفى.. تبدو حيوياً ونشيطاً هذا الصباح "ادن، ادهن، لا يفيد معي لا دهان ولا عسل.. ابصق ما بجوفك ودعنا نستريح.." علق مصطفى عمروش في صمت على تحية الزائر ثم رد التحية بصوت هادىء أزاح الكرسي وألصقه مع المكتب وخطا خطوات قليلة يريد الالتحاق بقاعة الاجتماعات، لكن رئيس البلدية الأصلع أوقفه بلطف ممعناً فيه النظر ثم قال بلهجة متوسلة مستعطفة: كن رحيماً ومتسامحاً يا سي مصطفى، الدنيا لا تدوم لأحد، رجل مسن ترحمه في أيامه الأخيرة، نزوة شيخ هرم أراد بطاقة يتصور أنها تدخله الجنة تماماً مثل الطفل الصغير الذي يصرخ ويتمرغ على الأرض من أجل لعبة يتلهى بها ساعة ثم يرميها ليبحث عن أخرى، الشيخ الهرم مثل الطفل والحزب لا يخسر شيئاً، ومعظم المجاهدين موافقون على منحه بطاقة النضال رغم أنهم يعرفون أنه لم يناضل ولم يشارك في الثورة، ولكن الأيام تمر والناس تنسى وهو رجل يساعد القرية ببعض الانجازات الضرورية لتطورها...
|