رد: بطاقة السحرية
روت الأم كل ذلك وهما لم يجتازا السياج الخارجي، كأنها أمام القاضي تستعطفه وتتوسل إليه بالافراج عن ابنها البريء.
كان جمال حزيناً وكئيباً وأفكاره مبلبلة، ذهنه مشتت، لا يقدر على التركيز، أقلقته الأم المسكينة بحكاياتها وأحتار كيف يفلت منها دون أن يجرح عواطفها، فاغتنم فرصة قطع الطريق إلى الرصيف المقابل لسياج السجن، حيث تأخرت قليلاً، تنتظر مرور شاحنة محملة بالبضائع فأسرع خطاه دون أن يلتفت وراءه، قاصداً محطة الحافلات للعودة إلى قرية عين الفكرون، كان حزيناً لأن أباه سيقضي بقية حياته في السجن، جريمة قتل تعاقب بسنوات كثيرة مهما كانت دوافعها مشروعة نفسياً واجتماعياً، كان كئيباً لأنه سيفقد شفيقة، التي أحبها منذ الطفولة نهائياً، منذ اللحظة التي شاهد فيها الجثة الهامدة الملطخة بالدماء، ممددة وسط المقهى، وهو يتساءل بمرارة عن الفائدة التي جناها أبوه من وراء هذه الجريمة الجنونية في محاولة بائسة لإقناع نفسه بأن سلوك أبيه كان على حق.
حوافز منطقية! أحب أباه منذ الطفولة المبكرة واعتبره رجلاً كاملاً ولم يكن يتصور أن هذا الأب الطيب البشوش الهاديء، سيحمل البندقية في لحظة جنون ويطلق عياراً كاملاً على انسان، لم تخطر الفكرة على ذهنه بتاتاً، كان البندقية في الرواق المنزلي محكمة بحزام جلدي سميك لا يمسها أحد، حتى أضحت تحفة عادية تزين البهو كباقي التحف الزخرفية التي تعتني بها زوجة أبيه بعناية فائقة بازالة الغبار عنها وتنظيفها دوماً بقطعة قماش أبيض ناصع، وكم من مرة شاهدها وهي تزيل البندقية من مكانها وتجلس على البلاط وسط البهو لتنظيف الأجزاء المختلفة ابتداء من الأخمس مروراً بيد التعمير وعلبة المغلاق وقنطرة الزناد وصولاً إلى الماسورة ذات الثقبين، دون أن تجرأ على تفكيكها خوفاً من عدم معرفة تركيبها أو لأنها تتصور أن البندقية قطعة واحدة ملتحمة لأتفك، ثم ببطء ملحوظ كأنها تحمل صحناً من البيض، ترجعها إلى مكانها وتثبتها بإحكام، حينما كان جمال صغيراً كان يشاهد
أباه يحملها على كتفه الأيمن باعتزاز جلي، ويغادر البيت في الصباح الباكر ولا يعود إلا مع غروب الشمس، وفي حمالته الجلدية بعض الأرانب أو الطيور التي قضى اليوم كاملاً في ملاحقتها عبر التلال المجاورة للقرية، كان يخصص نهاية كل أسبوع للصيد البري، ثم بعد سنوات انقطع نهائياً عن هوايته، فأصبحت البندقية لا تبرح مكانها إلا للتنظيف، تساءل جمال مراراً لماذا لا يبيعها أبوه وينتفع بمالها حيث أنه لا يحتاج إليها، ولكن بعد التفكير وجد بأنها تحفة حربية يعزز بها ماضيه كلما تقدمت به السن مثلما يفعل الرياضيون بالكؤوس والميداليات التي تعلق على صدورهم في أيام العز والنجاح، في السنوات الأخيرة لم يعد يعير أي اهتمام لتلك البندقية المعلقة باحكام، لقد أضحت جزءً لا ينفصل عن أثاث البيت، لو كان يعرف مصيرها لاختطفها في دجى الليل ولدفنها في مكان قفر، لا يصل إليه الشيطان نفسه، ولكن هل هناك من يتنبأ بمصيره؟
|