رد: بطاقة السحرية
الفصل السابع
- لماذا قتلته يا أبي.. لماذا؟
تثبت جمال بأصابعه المرتعشة في الشباك الحديدي الصديء.. محملقاً في وجه أبيه الكئيب، وفي العيون الذابلة، المتعبة، علامة السهر والسهاد الطويلين، والذقن الأشعث الذي نسي طعم موس الحلاقة، لم يبق في الوجه الطويل إلا بريق العينين المتلألىء، وحركة الحدقتين الخاطفة من اليمين إلى اليسار، كأنها تعبر عن انتصار عظيم، لا يحدث إلا مرة كل سبعة قرون، كان الضوء خافتاً في القاعة التي تفتقر إلى النوافذ المطلة على الضوء الساطع في الخارج، وقف الأب وفقة مترنح لا يقوى على الوقوف على رجليه طويلاً، لم يكن يريد رؤية أحد من أفراد العائلة أو الأصدقاء، لأنه يمقت كلمات العتاب والنظرات المتهمة، حينما جاء الحارس وأخبره بالزيارة تساءل عن هوية الزائر، فلم ينهض من مكانه إلا بعد أن سمع اسم "جمال"، حينئذ فقط انتعل البلغة المطاطية، البنية اللون، السميكة، وجرجر قديمه تجاه ردهة اللقاء، خلف الحارس الضخم.
- أنت أيضاً تعاتبني يا ولدي.. ألم تدرك بأنني تأخرت، كثيراً في اراحة عذاب الأرواح البريئة، الطاهرة.. كان ينبغي أن أفعل ذلك منذ زمن بعيد، ولكن الحروف المقدسة المسطرة على الجبين، لا تمحي أبداً.. أبداً..
كان الأب يفيض بالأسرار التي يريد البوح بها إلى ابنه، تراكمت في ذهنه واختلطت وتسابقت للتعبير عن نفسها، وتعثرت على عتبة الشفتين، وأجهضت في الرحم قبل الإكتمال.
- أنت تجهل مكان قبر أمك حورية.. لنذهب سوياً إلى زيارته والترحم على روحها الطاهرة، وأثناء الطريق سأروي لك الحكاية الجميلة التي لم تسمع مثلها أبداً..
من الضروري أن تسمعها وتحفظها وترويها لأبنائك، ينبغي أن تفتخر بأمك وتروي قصتها في كل مكان حتى يعرفها الناس جميعاً، كبيراً وصغيراً، رجالاً ونساء.
لم يجد جمال القدرة ، جف حلقه وتصاعد البكاء إلى عينيه، حاول منع الدموع من أن تطفح دون جدوى، فاضت وانهمرت على الخدين، تردد قليلاً، ثم أخرج منديله ومسح الدموع جيداً، تنفس الصعداء وتشجع وقال في نبرة مرتبكة:
- لماذا انتظرت كل هذه المدة إذن/؟ لماذا لم تحقق انتقامك أيام الثورة/؟ كان الأمور سهلة أنذاك، وكان ذبح الخونة فعلاً مشروعاً وحميداً، أما اليوم، فبعد عشرين سنة من الاستقلال، لا يقبله أحد.. أصبحت مجرماً في نظر الناس والقانون../ قاطعه الأب منتفضاً:
- لا.. لا تردد هذه الكلمة أمامي، أبوك مجرم!!! هراء، هذيان، من قال لك هذا؟ إن قتل الخونة نضال، بل عبادة.. أنا أخلصت القرية من الجرثومة المسوسة، أنت صغير يا ولدي ولا تفهم مثل هذه الأمور.. لو عشت حياة الذئاب المشردة التي عشناها نحن وسط هذه الجبال طوال تلك السنين، لما تسامحت مع أدنى فعل للخيانة، ولأصبحت قاسياً لا تعرف الرحمة والشفقة تجاه أولئك الذين تنعموا بالأمس وتداعبوا مع الاستعمار وما زالوا ينعمون اليوم آمنين مطمئنين ثم يتعنترون علينا بقوة الجاه والعلاقات الشخصية مع السلطة الحاكمة.. أنا لم أتسامح أبداً معهم لو كنت أملك زمام السلطة في هذه البلاد لنفيتهم إلى أقاصي الصحراء ولأجبرتهم على الاقامة هناك في الفلاة الشاسعة ولشيدت حولهم جداراً سميكاً ودائرياً مثل جدار الصين يصدهم عن الخروج، ولرميت عليهم كل الجراثيم المعدية كي تعشعش في أجسامهم الأوبئة القاتلة مثل الكوليرا والسل والجذام، ويتفتت لحمهم وعظامهم ويتساقط على التراب، وهم يهيمون بوجوههم في حركات حلزونية على الرمل الساخنة مثل الفولاذ المذوب، وعلى رؤوسهم تنشال أشعة الشمس المضطربمة كأطنان الضغط مثل الذي يسود في أعماق البحار.. ولكن العين بصيرة واليد قصيرة.. لا تقدر على شيء من هذا كله..
|