رد: بطاقة السحرية
وكنت لاأرفض لها طلباً خوفاً من انتقامها علي بالامتناع عن الحكي.
يرحمك الله يا عمتي العزيزة برحمته اللامتناهية، كان الخير دائماً هو المنتصر على لسانك ينتصر على الشر مهما تجبر الطغاة وتفرعنوا، الغَلَبة للضعفاء، والفقراء رمز الخير والتضحية والفداء، نحزن ونبكي على مصير الأبطال الضعفاء المظلومين ولكننا ندرك في قرارة أنفسنا أن النهاية ستكون سعيدة، سينتقمون لأنفسهم أو ينتقم لهم سلطان عادل أو يتدخل الناس جميعاً.. هكذا الدنيا..
لماذا لم نذبح بدورنا الصاعدين في 19 مارس، الذين لم يتخذوا القرار إلا بعد أن تأكدوا من ضمان الاستقلال وضمان حياتهم بعد الاعلان عن توقف كل المعارك العسكرية، هكذا بكل بساطة أصبحوا مجاهدين ونزحوا من الجبال مع الأبطال الحقيقيين، ثم استولوا على امتيازات كثيرة دون أن يقدموا شيئاً للثورة، ونسوا أرامل الشهداء وأبناءهم يتخطبون في وحل الحياة الشاقة، أسكرتنا نشوة الاستقلال وتسامحنا معهم وفتحنا لهم أذرعنا على مصراعيها، آه على الدنيا الغدارة... لماذا لم ألفظ أنفاسي تحت طلقة رصاص دافئة، وسط روائح الغابة العطرة، لحظة واحدة لا غير ويتلاشى كل شيء ويندثر ليصبح فراغاً يتبخر مع الهواء، لو قدر وحدت ذلك، لأخدت الحلم الجميل والعظيم معي، ألفظ أنفاسي تحت طلقة رصاص الأخيرة وفي بريق عيني ذلك الحلم الذي لازمني طوال تلك السنين وتبخر مع السنوات الأولى للإستقلال، ثانية واحدة فقط لاغير.. لو كنت أعرف ماذا سيجري، لقابلت صدري لرصاص العدو وارتحت، كدت أفعله بعد موت حورية، تلك الوردة الطاهرة الندية، الشجاعة، التي ضحت بحياة هادئة وفضلت الحلم الممتع وطاردته بروحها وعينها السوداوين الواسعين، الفوسفوريتين ، يقاومان بشراسة وتحد، أضحت في ذاكرتي طيفاً ممتعاً ،حنيناً يجتاحني في لحظات اليأس والهزيمة يجدد طاقتي وشجاعتي، ويمنح بصيصاً من النور المشع، وهدفاً لشقائنا الذي لم يكن يبدو أنه سينتهي يوماً، كانت تلك العيون مغناطيساً يسحرني ويجذبني دوماً ويدفعني إلى التلاحم الكلي، فتنبت حول ذراعي أجنحة ريشية بيضاء ساطعة، وتحثني فجأة في رمشة عين إلى الطيران، في فضاء رحب شاسع مناخه دافىء لا يعرف البرد القارس ولا الحرارة القائظة الصحراوية، أخلد هناك في ذلك الطيران الناعس المخدر، تهزني ريح خفيفة، صعوداً وهبوطاً، وأنا أبحث عن العيون السوداء، الواسعة، فم فجأة يتلبد ذلك الصفاء الشفاف وينطلق دوي الرصاص في صخب يوقظ الأموات من تحت القبور، وتتعالى صيحات المصابين والأوامر الصارمة النافذة إلى الأعصاب كي تزداد شراسة وتصعف فينا عواطف الرحمة والشفقة والخوف إلى أن تختفي كلية وتطغى الرجولة بشلاغمها الكثة الملتوية الشديدة السواد وتنادينا بالصوت الجهوري الرنان، حينئذ فقط تتحول أجسامنا إلى رخام متين وسميك لا يأبه بالجروح ولا بالتعب ولا بالعرق ولا حتى بالرصاص المتلهب الذي يرتطم ويعوج على سطح الأسمنت المسلح، ويفر هارباً منتكس الرأس يتدحرج متعثراً ساقطاً، واقفاً إلى أن يبتلعه الأفق المظلم ونحن نصعد فوق الأحجار الضخمة والتلال والأشجار البلوطية الباسقة ونرفع أذرعنا في ذلك الفضاء الدافىء ما سكين البنادق بعزيمة فولاذية صائحين بملء حناجرنا "يحيا استقلال الجزائر، يحيا استقلال الجزائر.." وشلاغمنا ترقص فرحاً وغبطة على نغم النشيد ثم تلامس بعضها البعض لتكون جداراً يصمد للقنابل الذرية نفسها، أطلت من خلف الشجر الكثيف الأغصان والأوراق مبتسمة ابتسامتها الخجولة المعهودة، حطت بصرها حياء وانقصت من سرعة خطاها ثم توقفت تنتظر بين الخوف والرجاء، كانت خائفة وفرحة في وقت واحد ولم تتمكن من اخفاء ذلك الشعور المتناقض، لم أذق طعم النوم في تلك الليلة، تقلبت فوق الحصيرة وقتاً قصيراً، وحينما أصرت أهدابي على عدم التصالح والالتقاء في التحام لذيذ، انتفضت واقفاً وغادرت المغارة إلى حجرة مسطحة مطلة على الغابة والوادي وجلست أسترق السمع إلى أية خشخسة تحدثها الحيوانات في تنقلاتها الليلية، منتظراً بفارغ الصبر، كم سنوات مضت عن آخر لقاء خاطف قبل الهجرة إلى أحضان هذه الجبال المباركة؟ وكيف تكون الآن؟
|