رد: بطاقة السحرية
زدي إحكي لي يا عمتي خديجة.. مْحَاجِبَة واحدة فقط.. لا.. لا.. قصي علينا حكاية الربيب الفرطاس.. لا.. لا.. نقولك.. حكاية لونجا الغنجا... ما زال الحال يا عمتي و"النافخ" ما زال فيه الفحم، إذا غلبك البرد، نغطيك بالحايك ونزيد لك "هيدورة" فوق كتافك.. إحكي لي يا عمتي إحكي..
نستمع إلى زمهرير الرياح المثلجة، تجوب التلال والروابي، وتجرد الأشجار وتعريها وتتركها تتألم وتتأوه وتتمايل ضعفاً، الصمت المريب ومخيف ومطبق، نتكور حول المدفأة الفخارية نتلذذ بطقطقات الفحم المشتعل وأيدينا ممدة فوق الشعلة الباهتة، نتصيد الحرارة التي تساعد، على السهر للاستمتاع بحكايات عمتي خديجة الضريرة، لا تنقطع عن الروي، تنقلنا من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان، وتحبب لنا الربيب الفرطاس وامحند الأبله الساذج الطيب "أر، أر، كلنا نسبان السلطان" وتجعلنا نحقد على الغول ونتمنى له الموت دائماً بأبشع الطرق، إنها منبع لا ينضب من الحكايات الشعبية، نحاصرها دوماً بعد العشاء، ننتظر بفارغ الصبر أن تكمل الصلاة ونهجم عليها، نلح ونلح متوسلين، لم نكن نعبأ بتعبها أو مرضها، المحاجية في النهار لها نتائج وخيمة، ستنجبون أولاداً فراطيس، لا يملكون شعرة واحدة فوق رؤوسهم بل ستخلفون البنات فقط وبدون شعر...
يا للمصيبة... بنات وبدون شعر... أعوذ بالله.. لا.. لا.. يا عمتي..
سننتظر الليل، ننتظر، ننتظر... ثم ننام في منتصف الحكاية ونكملها في الحلم أو الكابوس، نتمدد على الحصائر و"الهيادر" وننطلق في سبات عميق لذيذ، نكمل السفر الممتع وهي تروي، تروي وسط الدجى وطقطقات الفحم والشعلة الباهتة، وفجأة حينما تشعر بالصمت المخيم، تتوقف وتسترق السمع ممددة رأسها، ثم بعد أن تتأكد من نوم الجميع، تنهض بتثاقل ملحوظ، ترفع النافخ لتضعه قرب الحائط في زاوية آمنة، تتلمس الأجساد الممددة في أشكال متداخلة بعضها البعض، تسوي الأغطية الصوفية عليها، ثم تلتحق بالزاوية اليمنى وتصعد فوق سريرها الخشبي لترتاح من تعب وشقاء النهار، أصابها مرض الجدري وهي صغيرة، لم تتعلم الركض بعد وأطفأ نور عينيها إلى الأبد، فعاشت في أحضان جدي ثم أبي، كانت ذاكرتها قوية تفوق مسجلات العصر، تحفظ الأغاني والمدائح الدينية والحكايات بأعداد لا تعد، في موسم الصيف، يتخاطفها السكان من بيت إلى بيت، كنت أرافقها مراراً، أسبق كالرجل الشجاع وهي حاطة يدها اليمنى على كتفي وتتبعني، وعلى عاتقي سرد كل كبيرة وصغيرة أراها في الطريق، أسماء الناس وملابسهم وحيواناتهم، وكانت لها قدرة عجيبة في التعرف على صاحب الصوت من الكلمة الأولى، حتى إن سمعته مرة واحدة فقط، تخزن في ذاكرتها كل النبرات وكل النغمات وكل الايقاعات التي وصلت إلى سمعها.
|