رد: بطاقة السحرية
لم يكن جمال يفكر كثيراً في موقف أبيه بعدما يخبره بنيته في طلب يد ابنة السرجان، لأنه لم يعثر في ثنايا ذاكرته عن أسباب مقنعة للرفض، انساق خلف الحلم اللذيذ متصوراً أن أباه سيطير فرحاً بعد أن يعرف رغبته في الزواج ولم يكن جمال يدري بالصراع الصامت الذي يزحف بين أبيه والسرجان، كما لم يكن يعرف حكاية أمّه حورية بالتفصيل ونية السرجان في الزواج بها وأنها صعدت إلى الجبال هروباً من هذا الزواج بالذات، امتنع جده وجدته لأمه عن رواية أحداث القصة إلا إذا سأل وهو لم يسأل ولم يتعود على الأخذ والرد في أطراف الحديث حول ماضي العائلة، كل ما يعرفه هو أن أمه استشهدت في الجبال دون أن يجتهد في البحث عن كيفية موتها، يتهرب من ذكرها كي لا يعمق حزنه وشعوره باليتم.
فحاول أن يحب زوجة أبيه تماماً مثلما يحب الأطفال أمهاتهم، وهي بدورها لم تشعره يوماً بأنها ليست أمه، ولم تذكر أمامه شيئاً يوحي بذكرى أمه أو غيابها، عاملته كبقية أبنائها، كان جمال يتسلل خلسة إلى غرفة أبيه ويقف أمام الصورة المعلقة على الحائط ويتأمل وجه أمه بلباسها العسكري ويتخيل صوتها ومشيها، ولكنه سرعان ما يغادرها خوفاً من إزعاج زوجة أبيه التي تنبهت بدورها إلى هذه الزيارات السرية دون أن تشعره بذلك، وأضحت كلما رأته يحوم حول الغرف دون اهتمام إلا وغادرت الغرفة تاركة بابها مفتوحاً ومكثت في المطبخ أو في الساحة العريضة كي تسمح له بالوقوف لحظة تأمل وحنين إلى أمه في حرية كاملة وهدوء تام. لا يعرف عن أمه إلا هذه الصورة التي حافظ أبوه عليها بعز وكبرياء مثلما يحافظ البطل الرياضي على الكأس التي فاز بها في منافسة دولية.
تخلصت الحافلة من المنعرجات الصاعدة لتشرف مباشرة على البناية الأولى للقرية، بناية مستطيلة الشكل بثلاثة طوابق وحديقة يحيطها سياج، تحتوي على مكاتب فرقة الدرك الوطني ومساكنهم.
خفف السائق من سرعة الحافلة وهو على أهبة الاستعداد للتوقف والاتجاه صوباً إلى المقهى الكبير في الشارع الرئيسي لارتشاف قهوة حالكة مضغوطة وساخنة، يتصاعد بخارها بقوة، يرتشفها ببطء مع سيجارة "الهُقّار" وهو واقف أمام المصرف، كي يلفظ الصداع وروائح البنزين والحموضة، استيقظ المسافرون من سباتهم وشرودهم وطفقوا يجمعون أمتعتهم في هرج ومرج وضوضاء، وقف بعضهم في الرواق الطويل الذي يتوسط الكراسي وتقدموا إلى الأمام، مستعجلين لحظة النزول والتخلص من الروائح المنفرة في الفضاء الداخلي للحافلة.
كانت المحطة تقع في شارع خلفي، تنعطف الحافلة نحوه بمحاذاة القهوة الفسيحة الواقعة في الركن، حيث استولت على بداية شارعين، ما أن اقتربت الحافلة من الانعطاف حتى شاهد جمال حشداً من الناس يركضون تجاه المقهى مذعورين، ثم احتشدوا على الرصيف قرب الباب العريض المفتوح على مصراعيه، فجأة بدأ الزبائن يغادرون الصالة بسرعة وعيونهم مصوبة إلى الداخل مشدوهين، مغزوعين، تصور جمال أن عراكاً جسدياً قد وقع بين شابين قويين، فذلك من الأمور العادية والناس يتحاشرون لأتفه الأسباب، في خضم هذا الموقف، انطلق دوي رصاصة داخل المقهى ثم تلته رصاصة ثانية فهرب الناس في كل الاتجاهات، توقفت الحافلة بعنف، وانفتحت الأبواب الأمامية والخلفية، وركض السائق ومساعده تجاه المقهى يغمرهم الفضول لمعرفة تفاصيل الحادث الذي لا يستبعد أن تكون جريمة وحشية.
|