رد: بطاقة السحرية
في بداية كل عطلة صيفية، بعد انتهاء الامتحانات يشعر الحبيبان بالحزن والكآبة والحنين لأنهما سيفترقان عن بعضهما العبض لمدة شهرين كاملين افتراقاً كاملاً دون لقاء.
فيمكثان معظم الوقت صامتين، يتحسران على اضافة شهرين في قرية عين الفكرون، محتملين مع أهلها لسعات البعوض المتكاثر ولهيب الحرارة المرتفعة والفراغ القاتل بين أربعة جدران سميكة بالنسبة لشفيقة، التي لا يسمح لها بالخروج إلا نادراً لزيارة الأهل والأقارب وألف عين تحرسها من الانزلاق المحتمل وألف قدم تتبع خطاها خوفاً من الاختلاف إلى المواعيد المحرمة، أما جمال فيجر ملله وحنينه بين الأزقة الضيقة المغبرة المتربة أو على ضفاف الوادي الجاف الذي لا يحافظ في موسم الصيف إلا على خيط مائي ضعيف راكد، تتجمع فيه الأسماك والأحناش الذابلة، أما الضفادع فهي تخزن نفسها تحت الطين المبلل في نوم عميق منتظرة القطرات الأولى للمطر الخريفي.
عادت إليهما الكآبة في تلك الصبيحة لشعورهما باقتراب لحظة الافتراق، فانعزلا في آخر درجات السلم المركزي للبناية وجلسا صامتين، يفكران في العبارات المناسبة اللائقة لمثل هذه الحالات المحزنة، كان جمال مرتبكاً وقلقاً أكثر من اللازم لأنه يضمر في نفسه اقتراحاً مهما يخص مستقبلهما، طالما راوده في الشهور الأخيرة دون أن يعثر على الشجاعة الكافية ليبوح بسره إليها، وكم من مرة صعدت العبارة إلى غاية حلقه، في أهبة للافصاح دون جدوى حتى وصل به الأمر إلى التشكيك في جرأته، مما أدى به إلى القسم المطلق في ليلة البارحة حيث أصيب بأرق متعب، بأنه لن يتردد في الافشاء بحلمه في هذا اليوم قبل إعلان النتائج السنوية للامتحانات، وها هو الآن جالس بجانبها مطرق الرأس، يعيد في ذهنه العبارات المناسبة ومستغلاً الصمت السائد بينهما ليفكر في راحة واطمئنان، ورغم ذلك بقي يلوك اقتراحه، يبتلعه، يلفظه، ثم يعيد ابتلاعه بخفة قبل أن يصير صوتاً واضح المعالم، وفجأة ابتلع ريقه، تنحنح، اعتدل في جلسته، حتى ظنت شفيقة أنه يستعد لمغادرة المكان ثم لفظ في سيل متصل سريع بنبرات مرتعشة:
- شفيقة، ما رأيك لو أكلم أبي في هذه العطلة، وأجلب مخاطبة أبيك لطلب يدك رسمياً، كي نرمي عن أكتافنا السرية ونعلن حبنا جهراً، ونتخلص من التخفي والتصنع بالبراءة أمام أهل القرية، ونتمكن من الذهاب والاياب سوياً... آه... مارأيك.. أظنك لا تمانعين.. كان ذهنه يغلي بالأفكار والعبارات الجميلة التي طالما رددها وفي صيغ متنوعة، أراد اضافة أشياء لا حصر لها، لكنه عجز عن النطق وسكت فجأة ينتابه احساس بالمرارة، تنهد بصوت مرتفع كأنه توقف لتوه من العدو السريع، وغامره تعب وارتخاء في العضلات وشعر بجسمه ضعيفاً لا يقوى على تحريكه، لو طلبت منه شفيقة الآن القيام ومغادرة المكان لما استطاع تلبية الطلب المهين، لم تجبه في حينها، بل تمعنت لحظات في الاقتراح الذي لم يكن جديداً عليها، بل هي أيضاً فكرت في مثله مراراً، وبدت هذه الثواني لجمال قرناً حتى كاد يختنق من امساك تنفسه لسماع الرد.
|