رد: بطاقة السحرية
إنساق جمال عمروش للحظات خلف ذاكرته والحنين إلى الطفولة الهادئة الثرية، والأماكن المظللة على ضفاف الوادي، حتى كاد يستحضر الأصوات والروائح ذاتها داخل الرواق المكتظ ولم ينتبه إلى الحركة الرشيقة لفتاة خمرية، تتقدم نحوه بابتسامة عريضة ترفرف على شفتيها الموردتين بالمُحَمَّر، تجرّ خلفها شعراً منسدلاً على كتفيها النحيلين وتحمل محفظة جلدية سوداء، قبل أن تباغته بتحية دافئة بصوتها الممتلىء العذب، رفع رأسه من على الكتاب كأنه أحس بقدومها، اعتدل في وقفته وهيأ نفسه للقاء الثمين، ارتخت قسمات وجهه وارتسمت على ثغره ابتسامة خجولة ومد يده للمصافحة.
- أهلاً بك شفيقة.. تأخرت كثيراً هذا الصباح .. حطت محفظتها على الأرض، تأوهت من التعب وقالت بعصبيه.
- مشكلنا الخالد.. النقل.. أخاف أن تتعدى سنة ألفين وأزمة المواصلات تطاردنا، تصور أنني وقفت في المحطة على الساعة الثامنة إلا لربع.. انتظرت حتى فقدت الأمل، وكدت آتي راجله أو أستعين بالأتوستوب، ثم عدلت عن الفكرة ورضخت لنزوة الحافلات.. ساعة ونصف وأنا مسمرة في المحطة.. الحافلات التي مرت كانت غاصة تكاد تنفجر، ولم تتوقف، وإن توقفت أنا لن أجروء أبداً على الركوب وسط الهجوم البشري، كأنهم يتأهبون للافلات من زلزال مهول أو هجوم نووي...
صمتت فجأة وهي ترد أنفاسها، كان التعب بادياً على وجهها المتلألأ بحبات العرق، تأملها جمال جيداً باختلاس نظرات خاطفة أثناء حديثها، ثم اقترح عليها البحث عن سلالم فارغة للجلوس وإبعاد التعب الجسدي، كان بدوره مرهقاً من الوقوف ولكن رغبة الاختلاء بشفيقة في مكان منعزل، بعيداً عن الأنظار الفضولية، هي التي أملت له الاقتراح، كان يشتاق المكوث معها في أمكنة غير مكتظة، كأن مجرد الوقوف بجانبها يعتبر فعلاً يجذب كل الأنظار المجاورة، لذلك يفضل اجتنابها بالاختلاء.. لم تكن علاقة جمال ابن مصطفى عمروش وشفيقة بنت السرجان حديثة العهد، تعود إلى سنوات الدراسة الابتدائية في المدرسة المختلطة بعين الفكرون، التحقا مقاعد الدراسة في سنة واحدة، وكانا يتناوبان على المكانة الأولى في تنافس صامت أول الأمر ثم كبر التنافس ومع التحدي الصامت أيضاً.
|