رد: بطاقة السحرية
وما أن أدركت القرية الصباح حتى علم أهلها كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء، بوفاة السرجان تحت ضغط المصيبة التي نزلت عليه، ابتسم البعض فرحين معتبرين الموت في مثل هذه الظروف عقاباً وجزاء من الله الذي يمهل ولا يهمل، حضرت العائلة مراسيم الدفن في اليوم ذاته، وما أن آذن المؤذن لصلاة الظهر حتى انطلق الموكب الجنائزي نحو المقبرة الواقعة في طرف القرية الشرقي، توقف المشيعون عند باب المقبرة، بمحاذاة صف من أشجار السرو والتين لاقامة الصلاة على روح الميت، ما أن انتهى الدعاء الأول وانتصفت الوقفة الخاشعة، حتى حدث العجب العجاب الذي أرغمهم على هجر الصلاة قبل انتهائها والركض في جميع الاتجاهات تاركين أحذيتهم، وعيونهم زائغة لا تصدق ما تري، نعم، لقد تحرك جسم السرجان الممدد فوق التابوت الخشبي الأخضر اللون، وأصدر آهة ثم انتفض جالساً يتخبط في كفنه الأبيض الناصع، أزاح القماش من على وجهه وانتصب وافقاً يتفرس ببصر حائر الأشباح البشرية المهرولة عبر كل شبر من الأرض الحجرية المسننة والأشواك اليابسة وهي حافية القدمين، تاركة المساحة المسطحة بعناية، المخصصة للصلاة، مغطاة بالأحذية من كل الأنواع والمقاييس، سقط الكثير على الأرض من الارتباك والخوف، فنهضوا في لمح البصر دون أن يجرؤوا على الالتفات خلفهم والتأكد مما أفزعهم، بعد أن كان المكان غاصاً بالناس، أصبح خالياً مخيفاً مكث السرجان بغطائه الأبيض كشبح ليلي، يحاول هضم ما جري له، مسح ببصره المقبرة وأمعن نظره التائه في الكتان الناصع والتابوت، فأدرك لتوه أن الناس اعتقدوه ميتاً، فرافقوا جثته إلى مقرها الأخير، فارتعد لفكرة استيقاظه وهو تحت التراب على عمق مترين، لو حدث ذلك لعاش لحظات رعب وفزع حقيقية قبل أن يختنق ويستأنف موته بشكل نهائي، لا يقبل الشك.
قفز من فوق التابوت وجرى يريد اللحاق بالمشيعين الفارين صائحاً بصوت مستغيث: يا ناس.. يا أهل البلد.. انتظروني.. أنا حي، لم أمت.. لا تخافوا، أنا سي أحمد السرجان.. أنا حي.. أنا حي..
|