رد: بطاقة السحرية
خلال مدة الحجز، لم يكف السرجان عن اتصال بمعارفه الأقوياء في أجهزة السلطة المدنية منها والعسكرية، يطلب المساعدة ويذكرهم بخيره السابق وخدماته المجانية في نقل مواد البناء واعارة عماله لأيام، بل لشهور كاملة لتشييد بعض الفيلات الخاصة، حينما كان محجوزاً لم يكن يفكر إلا في كيفية النجاة بنفسه والخروج في أقرب وقت ممكن، وبعد الافراج عنه، غمرته كآبة مظلمة وحزن عميق منعه من الكلام واستقبال أصحابه الذين أسرعوا لتهنئته على الافلات من يد العدالة ومن المكوث داخل أربعة جدران رطبة لسنوات، لولا الرجال الأقوياء الذين دافعوا عنه في أعلى مستوى لغاب عن القرية لسنين طويلة وفيما كان هؤلاء يتوافدون أفراداً وأزواجاً، يتجمعون في الحديقة مصرين على مقابلته، أختلى السرجان بنفسه كئيباً، محطماً، في غرفته، بعد أن أمر زوجته بألا تترك أحداً يدخل عليه، وغرق في بحر من الحسابات العسيرة، فوجد أنه فقد أموالاً باهظة، دفعها لشراء البضائع ورشوة مجموعات من الموظفين، تبخرت في ثوان دون أن يتمكن من تسويقها أو الانتفاع بها بشكل من الأشكال، ومع كل الخسارة، تلطخت سمعته في الوحل، خاصة عند أهل عين الفكرون الذين سيكثرون من الحديث عنه ويتهمونه جهراً بالاختلاس والسرقة والمتاجرة في السوق السوداء، وهوالمحافظ دائماً على أن تكون سمعته طيبة ظاهرياً.
لماذا لم يوزعها مجاناً للناس ينتفعون بها مثلما سمع الامام يروي عن أحد الصحابة، الذي تبرع بألف جميل محملة بالبضائع في سنة من سنوات انتشار المجاعة؟ ولماذا لا تكون هذه الكارثة عقوبة إلهية نزلت عليه؟ فكيف يستغل ظرفاً مأساوياً ليجمع مالاً حراماً؟ يشكو الناس من الجفاف وتموت قطعان الغنم طراداً، فيما كان قلبه منسداً لدخول الرحمة والشفقة، لم يكن السرجان متديناً في شبابه ولكن مع تقدم العمر، أصبح يتردد على المساجد للصلاة ويجالس الأئمة، يسمع منهم الوعظ والارشاد، فامتلأت نفسه بعاطفة دينية، أصبح يميز بين الحلال والحرام دون أن يطبقه في سلوكه التجاري، في خلوته تلك فكر في جميع هذه المسائل، مما زاد من كآبته وحزنه، فأصيب بنوبة قلبية، أفقدته وعيه وأدخلته في غيبوبة جعلت زوجته تعتقد بموته وتطلق صراخاً مدوياً، انتشر صداه عبر أرجاء البيت كله، دخلت غرفته بعد منتصف الليل، بعد أن تخلصت من النساء الزائرات فلقيته ممدداً على ظهره دون حراك، اجتمع الناس مرة أخرى في منزله وحضر الإمام، قلب الجثة بحذر فوجدها هامدة، ألصق احدى أذنيه على الصدر، فلم يستمع إلى ذلك الخفقان المنتظم، فاستغفر الله وتلا الفاتحة ودعا طويلاً، ثم أعلن للحاضرين أن السرجان انتقل إلى رحمة ربه.
|