رد: بطاقة السحرية
الفصل الثالث
خلال الأيام الأخيرة التي سبقت مباشرة اليوم المشهود الذي سيتردد طويلاً على ألسنة أهل قرية عين الفكرون، مكّوناً اهتماماً أساسياً ومجالاً ثرياً لتكسير الرتابة المخيمة، هذه الرتابة التي أغرقت الجميع في شبه اكتئاب وتدهور نفسي حتَّى ارتفعت، صيّرت حركاتهم ثقيلة غير مبالية، وارتفعت الحرارة ارتفاعاً جنونياً انقطعت الأمطار القليلة والرياح النادرة في منتصف فصل الربيع، مما أسرع في تحويل اللون الأخضر إلى الأصفر الشاحب وانقراض الحشائش القزمة المتشبثة بالتراب في هيئة ذابلة هرمه، وسرعان ما ظهرت الحشرات النحيفة المتعطشة إلى الغذاء، أنواع الناموس بكل أحجامها حتى نوع الهليكوبتر، والذباب والفئران وبنات وردان أو "القَرْلَلّو" مثلما يطلق عليه أهل القرية، وعشرات الحشرات الأخرى الجريئة التي اقتحمت البيوت، خاصة المطابخ والحدائق ومخازن التموين، مما أجبر الناس على البحث عن المبيدات المضادة في كل المحلات التجارية التابعة للقطاع العام والخاص، للتصدي للغزاة الذين لا يبدو أنهم تناقصوا رغم الكميات الهائلة من السائل ذي الرائحة الكريهة، فوقع الناس في "حيص بيص" يتأرجحون طول الوقت بالليل خاصة بين إغلاق النوافذ والأبواب وأحكام الشرفات بأنواع من الباش السميك وسد كل ثقوب التهوية التي تتسرب منها الحشرات وتحمل الرائحة الكريهة الممزوجة بارتفاع الحرارة وتلألإ الجسم بحبات العرق وبين فتحها على مصراعيها لاستقبال النسمات الباردة ومعها هجوم الناموس باللدغات والامتصاصات التي تبعد النوم نهائياً وتزرع الدماميل المهيجة، ومما زاد الأمر خطورة وتعقيداً اختفاء سائل المبيد فجأة من الأسواق فعرف أهل القرية وظيفة أخرى شاقة وهي البحث الدؤوب عن المبيدات في كل مكان سمعوا بوجودها فيها. اختفت أياماً، فارتفعت الشائعات المعقولة واللامعقولة، ثم بدأ يظهر في السوق وبأثمان تفوق السعر العادي من ثلاث إلى عشر مرات، عند بعض التجار المؤقتين الذي يعرضون السلعة المفقودة على أرصفة الطرقات مطمئنين غير خائفين من جهاز الرقابة الموسمي الذي لا يراه التجار إلا مرة واحدة في الحول، يمر مرور الكرام في جولة سياحية ينتفع أعضاؤه لنفسهم دون الإكتراث بالطوابير اللامتناهية على أبواب المحلات الحكومية ذات المساحة الكبرى، المشيدة في سرعة مذهلة على طرف المدن والقرى، حيث يبيت الزبائن الدائمون الليلة متحاشرين ينتظرون الافتتاح للركض تجاه بسط البضائع مع كل ما تتخلل المطاردة من مشادات كلامية وجسدية وتكسير زجاج الواجهات الخارجية للمحل.
|