رد: بطاقة السحرية
بعد طلوع النهار وسط ضجيج الأطفال الصغار انتظرت الأم قيام ابنتها من النوم لتساعدها في العمل المنزلي ولكن هذه الأخيرة تأخرت وأحجمت عن الظهور فاتجهت الأم صوب الغرفة لايقاظها، لم تجدها، قالت مع نفسها بأن ابنتها ستكون في الحديقة أو عند الجيران عادت إلى المطبخ منتظرة دون قلق. أين ستكون؟ ستظهر لا محالة بعد حين.
ليست موجودة عند الجيران لم يروها قط هذا الصباح.
أين ستكون؟ تساءلت الأم بشيء من التوتر والحيرة. لم تتعود الغياب بهذا الشكل السري، قلقت الأم وخافت على ابنتها وعلى نفسها من زوجها ومن كلام الناس، خاصة أن ابنتها مخطوبة رسمياً. اقترب منتصف النهار ولم تظهر حورية بعد. فقدت الأم رزانتها وبقيت تترقب أدنى صوت في الساحة أو خارج البيت لعل حورية تداهمهم بعد هذه الغيبة المفاجئة، ارتبكت حركتها ولم تحسن القيام بالتنظيف المنزلي واحترق الأكل فوق النار لسهوها وترقبها المتواصل. انتصف النهار، دخل الأطفال كلهم لتناول الطعام ولم تظهر حورية بعد ولم يعرف عنها خبر عند أحد. خرجت الأم من هدوئها وانتابها ضجر وفراغ مرعبين.
وكيف يكون رد فعل أبيها في المساء إذا لم تظهر إلى ذلك الحين؟ غضبت على أبنائها وسخطت في وجوههم رافعة صوتها ثم أمرتهم بالذهاب للبحث عنها عند الأقارب في القرية، والطواف عبر الشوارع لعل وعسى.. خرج الأطفال بصمت داهمهم القلق هم أيضاً.
دخلت بعض الجارات على الأم للاستفسار وتهدئة الجو المكهرب والتخمين معاً في الأماكن التي يحتمل أن تلجأ إليها. روت الأم بصدق حالة ابنتها النفسية منذ خطوبتها وموافقة أبيها على مصاهرة السرجان، رغم ذلك لم تجرؤ الأم والنساء الوافقات حولها على الافصاح عما خامرهن وهي أن تكون قد هربت من الدار العائلي كرفض قاطع للزواج القسري، شيء فظيع أن تهرب البنت من بيت أهلها. ستكون فضيحة الدهر كله. كثر الحديث وكثرت الاحتمالات المشجعة لتهدئة الجو وارخاء الأعصاب المتوترة. عاد الأطفال بخيبة أمل ظاهرة على سحناتهم المتجهمة، لم يعثروا عليها ولم يسترقوا سمع خبر مفرح أو مشجع عنها. شعرت الأم كأن سقف البيت سينهار على رأسها المبلبل، بل ستتحطم السماء عليه وتصيره رماداً تنفثه الرياح الهوجاء إلى أعماق الربع الخالي.تلألأت عيناها بالدموع المدرارة، ولكنها امتنعت عن السيلان الجارف. جف حلقها وفقدت القدرة على النطق السليم المسترسل، والتصقت الجوانب الداخلية لمصارينها المتعبة من القلق والجوع كأنها في نهاية يوم رمضاني من تلك الأيام الصيفية القائظة الطويلة جداً.. ارتعش جسمها حتى كادت تفقد استقامتها في الرفوف، وهي حائرة تفكر بسرعة جنونية في احتمالات متنوعة، تحاول الكذب على نفسها بأن حورية ستظهر بعد حين وسيتبخر القلق والخوف ويتلاشى الهرج والمرج مباشرة بعد رجوعها. لم تتمكن من المكوث في مكان مستقر لدقائق معدودة، بل تتحرك دوماً وتكلم نفسها بصوت مرتفع مكررة عبارات واحدة مقتضبة، متوسلة مثلما تفعل الثكلى وهي تندب فقيدها.
طال الانتظار واقترب الليل ولم تعد حورية. كيف تواجه آلام زوجها وكيف تبرر غياب ابنتها؟
كلما اقترب وقت رجوع الأب من العمل وازداد خوفها وتعاظمت اسئلتها بو زهير حميد من العمل منهكماً لا يفكر إلا في فنجان قهوة ساخنة وابرام سيجارة ثم التمدد فوق الحصيرة للاستراحة الكاملة. وجد البيت غارقاً في سكون وصمت غريبين، أين صيحات الأطفال وركضهم نحوه، راوين ما حدث لهم في ذلك اليوم وشاكين من أفعال بعضهم البعض وطالبين تحقيق بعض رغباتهم المتنوعة؟ أين الأم وحركاتها الخفيفة لتقديم كرسي للجلوس وماء للغسل وقهوة للارتشاف وازالة التعب؟
ولكن الارهاق الجسدي أنهك الأب الهادي، بحيث لم يلاحظ التحول السائد. قررت الأم الامتناع عن افشاء السر إلا بعد أن يستريح قليلاً ويتلذذ برشفات القهوة الساخنة ولكن ابنتها الصغيرة سبقتها وكشفت لأبيها الفضيحة وهي جالسة على ركبته. ابتسم بو زهير حميد ابتسامة ساخرة من هراء ابنته وتخريفها. القي بصره النافذ تجاه الأم وطلب منها تفسير اللغز. ربما هناك شيء ما لم تهضمه الطفلة البريئة. ارتعدت الأم من جديد وانتحرت الكلمات في حلقها، تلعثمت وتلكأت لثوان ثم انهارت باكية ووسط الشهيق والدموع المنهارة، قالت بأن حورية اختفت منذ الصباح ولم يعثروا لها على أثر رغم الاستقصاءات المتكررة. ولتبديد الخوف أسترسلت في اسهال لفطي سريع رواية كل تفاصيل الحادث منذ بدايته. بقي الأب مصعوقاً،مذهولاً، صامتاً، مبلبل الذهن يحالو اقناع نفسه بأن ما يسمعه أكذوبة حضرتها الأم مع أبنائها ليعدل عن قراره بتزويجها للسرجان. لم يتحرك من مكانه وحينما صمتت الأم فجأة فاسحة المجال مرة أخرى للبكاء والشهيق والتوسلات الهامدة، أطرق رأسه مفكراً في اللعنة التي لحقت به، ثم نهض وفتش الغرفتين والمطبخ ودورة المياه، وبعد ذلك خرج إلى الحديقة،طاف حول أركانها وخباياها وحينما لم يعثر على حورية دخل على زوجته المطبخ، هز كتفيها بعنف وطلب منها التأكيد على صحة الحادث، لم يصدق ما سمعه، حورية لا يمكن أن تفضحهم بهذا الشكل المخزي، إنها عاقلة وناضجة ومسؤولة أيضاً. ازدادت الأم بكاء وعويلاً، استقصي الأب عن الأماكن التي بحثوا فيها، وبعد التأكيد من أنهم لم يتركوا جاراً ولا قريباً في القرية إلا وسألوه، قال بعصبية ظاهرة أنها ستكون قد التجأت إلى أخوالها في الدشرة أو عند عمتها في المدينة فلا ينبغي القلق.. أين ستذهب؟ إنها فتاة، فلا يمكن لها الهيام على وجهها عبر شوارع المدن ودروب البراري.
كان الأب مطمئناً نوعاً ما. ليس لها خيارات أخرى غير الاختفاء عند الأقارب، لعلهم يسمعون شكواها ويتدخلون لفسخ الخطوبة المكرهة. لبس قشابيته مستعداً للخروج والبحث عنها، إلا أن الأم نبهته لقانون حظر التجول السائد في القرية منذ مدة طويلة فكيف يفسر وجوده خارج البيت في الليل، سيتهم بمساعدة المجاهدين ويسجن أو يقتل برذاذ رشاش دون رحمة أو شفقة مثلما الذئاب أو الخنازير البرية.
قضي الزوجان ليلة بيضاء، لم يعرفا خلالها نوماً ولا أكلا، تبادلا عبارات نادرة، متقطعة وتأوهات مسموعة متواصلة عبر الليل الطويل الذي لم يرد أن يتجلي إلا بعد أن تطلع الروح من مستقرها المؤقت، تبدو الساعة متوقفة، تدور عقاربها ببطء السلحفاة. طلب الأب قهوة بعد مرور منتصف الليل بكثير، ارتشف منها جرعات قليلة وحطها جانباً، إنه معروف بالهدوء والتحكم في الأعصاب، ولكن في هذه الليلة بالذات، ومع المصيبة النازلة على جسمه النحيف المرهق تحت ضغط جبروت المعمر، فقد رزانته وانهارت قواه، رغم إقناع نفسه أن ابنته اختفت عند أحد أفراد العائلة، تشكو حالها، وإذا... هربت بالفعل فكيف يواجه السرجان وأعيان القرية الذين شرفوه في بيته وطلبوا مصاهرته؟ لايملك الشجاعة الكافية للنظر في عيونهم الساخرة، المحتقرة، لو كان رجلاً قوياً، متحكماً في عائلته بقبضة من فولاذ لما تجرأت ابنته على الهروب من المنزل العائلي، لو حدث هذا بالفعل وتبين أن حورية قد هجرت البيت إلى مكان مجهول سيرحل من القرية نهائياً وفي أقرب وقت ممكن إلى مدينة بعيدة لا يعرفه فيها أحد. فكيف له أن يمكث في قرية عين الفكرون وسط النظرات المستفزة الساخرة للرجال والتمتمات القاتلة للنساء. يتضاعف غضبه أحياناً ويقسم قاطعاً أنه لن يتراجع قيد أنملة عن قرارة، وسيضربها ضرباً مبرحاً ويترك آثاراً عميقة على جسدها خاصة في الظهر والفخذين، سيجرها من الشعر عبر أزقة القرية كي يثبت رجولته للملأ ويضع حداً للسخرية والاستهزاء الجماعي. ثم بعد حين يلين قلبه ويتعاطف مع ابنته، يشيد قصراً من التبريرات ليقنع نفسه بالعفو عنها، رفضت الزواج بالسرجان المتزوج بأمرأة أخرى له معها أطفال بعدد أصابع اليد الواحدة، ويكبرها سناً، فلماذا لا يحترم رفضها ويتوجه رأساً إلى السرجان ليعلن تراجعه، هل يملك القوة لمواجهة رجل ذي مال وسلطة مثل السرجان ؟ يشك في نفسه . يشك في أن ينهار بمجرد الوقوف أمامه . فمكث الليلة كاملة ، يتأرجح بين موقفي القبول والرفض، دون أن يستقتر على رأي نهائي منتظراً انبلاج الفجر كي ينطلق في البحث عن حوريته المتمردة. ولكنه لم يعثر لها على أثر. طاف اليوم كله ركضاً من مكان إلى مكان حيث زار كل العائلات القريبة والبعيدة دون جدوى، عاد مع غروب الشمس منهكاً ومنكسر البال متمنياً من صميم قلبه الممزق أن يجدها في البيت.ولكنه بعدما دخل منزله ، خاب أمله وتبخرت أحلامه ، انتشر الخبر بين أهل القرية كالوباء وأصبح الناس لا يعرفون من الحديث إلا هروب حورية وكان السرجان من الأوائل الذين وصلهم الخبر. في البداية لم يصدق، إذ مثل هذا السلوك لا يحتمل وقوعه في هذه المنطقة الجبلية المحافظة على قيم الشرف والرجولة البدوية.
|