رد: بطاقة السحرية
انقطعت دموع حورية الرقراقة وتسربت إلى قلبها المهزوز فكرة خطيرة لم تسبقها إليها فتاة أخرى. في البداية حينما خطرت على ذهنها أول مرة ارتعش جسمها والتوت مصارينها وأصيبت باسهال مفاجيء خفيف ولكن لم لا؟ ما المانع؟ سيطرت الفكرة حتى أضحت ولا تعرف شيئاً ثانياً. خلال ساعات طويلة انتابها خوف ثم سرعان ما لفظته جانباً وأقسمت مع نفسها بالالتحاق بحبيبها مصطفى أينما كان مهما كلفها من صعوبات ومهما كانت نتيجة ذلك. فإنها أحسن من الزواج المفروض عليها ومع من؟ حركي معروف عند كل أهل المنطقة. ماذا يقول عنها مصطفى لو قبلت هذا الزواج؟ سيحتقرها دون شك ويلعنها من أعماقه، ربما بصق على التراب متخيلاً أنه يلفظ بصاقه على وجهها، إنما لم تتقبل ذلك ولو على مستوى الافتراض الوهمي فقط. بعد أن أقنعت نفسها بضرورة الالتحاق بالمجاهدين، أصبحت حائرة في كيفية الوصول إليهم، هل ستذهب وحدها أو تبحث عن رفيق؟ ومن هذا الرفيق؟ سمعت مراراً عن اسم رجل يتردد على الأفواه الخافتة لنساء يزرن أمها في بعض الأحيان يقال بأنه يجمع المال ليوصله إلى المجاهدين. يسكن في الطرف الجنوبي للقرية. احتجت حورية بحجة عادية وقصدت بيته. استقبلتتها زوجته بكلام مليح وشاي ساخن دون أن يرغمها الفضول على طرح السؤال الإجباري المنطقي: ما سبب الزيارة؟ تعرف المرأتان بعضهما البعض ولكن لم يسبق أن تحدثتا معاً أو تبادلتا الزيارة. أفضت حورية بسرها كاملاً دون اخفاء نقطة واحدة، وفي نهاية حكايتها المختصرة توسلت الزوجة أن تكلم زوجها لعله يوصلها إلى المجاهدين. لقد سمعت بأنهم أصبحوا يقبلون النساء الممرضات في صفوفهم، وهي مستعدة لأن تكون مساعدة لهن، لم تجهر المرأة برأيها في القضية بل أبدت جهلاً مطبقاً بعلاقة زوجها بالمجاهدين ولكنها ستكلمه في المساء حينما يعود من العمل.
كانت المرأة على علم بمشروع الزواج ورفض حورية له.. ومن في القرية لم يسمع في وسط النساء؟ حسدتها بعض النساء لما ستلقاه من عز مادي ورفاهية في اللباس الفاخر والأكل المتوفر والمتنوع.. ستأكل الخبز الرومي ولا تقضي يومها في العجن والدلك واشعال النار، ولكن النساء اللائي يعرفن ارتباطها بالشاب مصطفى عمروش الغائب منذ أكثر من أربع سنوات، رثين لحالها ولحال البطل الذي يأكل نفسه من الشقاء ليحرر الوطن بينما يسلب له السرجان حبيبته دون أن يعرف طعم الجوع والبرد والتعب. قررت المرأة مساعدة حورية من إيمانها بأن السرجان خائن لا يستحق إلا الذبح، فكيف يتزوج فتاة تنتظر مجاهداً ضحى بشبابه من أجل استقلال الجزائر؟ فمن الواجب عليها أن تنغص حلمه الشرس في افتكار حورية من مغالبه بعد شرائها بماله وسلطته. بعد أيام قليلة، اتصلت بها وأبلغتها بأن زوجها يعرف مصطفى وسيتصل به في أقرب فرصة تجمعهما معاً. عليها بالانتظار والصبر. بعدج أيام قليلة أخرى بعثت لها أبنتها الصغيرة، وحينما حضرت حورية وجدت المسبّل في انتظارها فقال: اتصلت بمصطفى وأخبرته برغبة والديك في تزويجك وأنك رفضت رفضاً قاطعاً. فرح لموقفك وهو مستعد للقائك وسيقبلونك بين الممرضات لتتعلمي المهنه. سأنتظرك الليلة على الساعة الواحدة صباحاً، ينبغي أن تخرجي في سرية تامة بحيث لا يتفطن إليك أحد. سأنتظرك أمام الباب خذي معك أشياء قليلة جداً ستجدين كل شيء في المركز..
لم تصدق أذنيها. غمرها فرح وقلق كبيران. في العتمة الحالكة مكثت مفتوحة العينين على اتساعهما تحدق بقوة محاولة اختراق الجدار السميك. تبعثر تفكيرها ولأول مرة منذ سمعت زواجها انتابها فراغ مسكن. جلست على الأرض مستندة ظهرها إلى الحائط مختبية تنتظر في الظلام الدامس أن يحين الوقت المحدد للرحيل. حضرت رزمة ثياب في سرية تامة دون أن تغير من سلوكها شيئاً كي لا تبعث الريب في نفس أمها وأخوتها الصغار. تخاف من أمها أكثر لأنها الانسانة الوحيدة في البيت التي تهتم بتنقلاتها وتناديها باستمرار لتطلب منها القيام بعمل ما. أما الأب فهو غائب من الدار طول الوقت ولا يدخل إلا للأكل والنوم.
إنها مطمئنة من هذه الجهة لأن فكرة هروبها لا يمكن أن تخطر على بال أحد. إنها فكرة جنونية حقاً. لم يسمعوا بواقعة مثلها بقرية عين الفكرون ولا في القرى المجاورة. تحمست كثيراً للمشروع حتى أصابها الأرق. تبيت لياليها متقلبة في الفراش متنهدة بعمق تتخيل نفسها بصحبة حبيبها تمشي تحت ظلال أشجار باسقة وتشم روائح عطرة تنبعث في النباتات الغابية المتعددة وتستنشق فاتحة منخريها على اتساعهما محدثة صوتاً كأن هذه الروائح تسللت بالفعل إلى فراشها وعمت أجواء الغرفة الغارقة في سبات عميق.
أما الآن، وهي على استعداد كامل للرحيل لا يفصلها عن الموعد الحاسم إلا بضع ساعات تسربت بعض الشكوك إلى قناعتها. هل تتصرف تصرفاً سليماً؟ ألم تتسرع في اتخاذ الاجراءات اللازمة للتخلص من الورطة المفروضة عليها؟.
كيف سيستقبلها مصطفى وهل هو راض عن سلوكها؟ كيف يتصرف أبوها بعد اكتشاف هروبها؟.
هل سيدرك بأنها التحقت بالمجاهدين وهل سيجرؤ على متابعتها؟ إنهالت عليها أسئلة معقدة لا تعرف لها أجوبة. كادت تنهاربكاءاً وتتراجع عن الهروب ولكن صورة مصطفى أقوى من كل التبريرات الأخرى. تشوقت إلى رؤيته وإلى سماع صوته والحديث معه. تصورت أنها قادرة على قضاء شهور كاملة في الحديث عن أشواقها ووصف الليالي الطويلة في سهاد وأرق وخيالها محلق يطارد أدنى ملامح له. غرقت في تفكير متواصل وتحولت العتمة إلى نور والسكون إلى صخب وأصوات متباينة والمكان المغلق إلى فضاء رحب لا يحده البصر النافذ، ولم يعدها إلى جلستها المكورة الشخير المرتفع المستمر لأحد أخويها النائمين قربها في براءة مطبقة ولا الكلام المتقطع الذي ارتفع فجأة من أختها الصغرى تحت تأثير كابوس مزعج. عاد الصمت من جديد وحورية لم تبال بل هي غارقة حتى الأذنين في أحلامها وأشواقها. مكثت على هذه الصورة وقتاً طويلاً، إلى أن انتفضت وحدها كأنها تذكرت موعد الرحيل فقامت من مكانها متخطية الأجسام الممددة كالسردين. رفعت رزمتها على أحد ذراعيها وغطت رأسها بقطعة قماش مورد. فتحت الباب ببطء ملحوظ دون أن تحدث صوتاً أو خرخشة. قطعت مسافة الساحة الداخلية بحذر، ثم الحديقة وأخيراً جلست قرب السياج تمسح المكان المظلم بحدقتي عينيها الحادتين اليقظتين رغم نقص النوم البادي على وجهها المتعب. فلم تلاحظ شبحاً إنسانياً ولم تسمع وقع خطوات قريبة أو بعيدة. أبعدت عن نفسها الخوف ومكثت تحرس المكان في يقظة ثعلب. بعد دقائق اعتادت على الظلمة وأصبحت تبصر بوضوح أكثر من ذي قبل. بعد فترة لم تعرف حورية كم استغرق من الوقت انتصب شبح المسبل قرب السياج وكأنه مرق من تحت الأرض . لم تسمع حورية وقع خطواته ولم تشاهده وهو قادم من بعيد باغتها فارتعشت احشاؤها قليلاً ولكن ما أن تعرفت عليه حتى نهضت واقفة بخفة غير معهودة فتحت السياج دون أن تنبس بكلمة اتبعت خطاه الخفيفة الصامتة. غادرا القرية متدثرين بالعتمة والأشجار المورقة، مستدركين مراكز الحراسة. حينما ظهرت الشمس الصباحية بأشعتها الدافئة لتطرد النسمات الليلية الباردة كانا قد ابتعدا عن منطقة الخطر وهما يوغلان وسط الغابة الندية تجاه قمم الجبال الشامخة . في الصباح الباكر، استيقظ الأب بوزهير حميد كالعادة وغادر البيت بعد أن شرب قهوته في صمت وعادت الأم إلى النوم كالعادة أيضاً دون أن تتفطن للحادث الاستثنائي النادر.
|