رد: بطاقة السحرية
حينما كان عاملاً في الجيش الفرنسي حضر دروساً حول الجوسة العسكرية وانبهر أمام ذكاء الجواسيس في مغالطة صفوف العدو والتصرفات السرية التي يسلكونها دون أن يتفطن لهم أحد حتى زوجاتهم، لم لا يقتفي أثرهم ويوهم الثوار بأنه يتعاطف معهم بل ويخدمهم بافادتهم ببعض الأخبار غير الخطيرة عن الثكنة التي يعرفها حق المعرفة لكثرة ماتردد داخلها، فيتعامل مع مخبر لهم في القرية لمعرفة تنقلاتهم ومشاريعهم على أساس السرية التامة في اتصالاته مع الطرفين كي يتوهم كل طرف أن السرجان من عملائه المخلصين. أجبره المنظر البشع على تغيير سلوكه ومراقبة كلامه والتفكير الحسابي المتقن قبل الاتيان على كل فعل مهما ظهر طفيفاً". أضحى لايختلف إلى منزل ( مسيو غوفير ) إلا إذا تأكد من خلو الشارع الفرعي من الأنظار المختلة أيضاً يستقبل أفراد العائلات التي لها أولاداً في الجبال بحفاوة وابتسامة عريضة مصطنعة. يتسامح معهم في عدم دفع ثمن المشتريات. وطفق يصارح بعضهم "الذي يشك أن له علاقة ما مع الثوار " في نيته بدفع كمية من المواد الغذائية وبمقدار من المال إلى ، "الخاوة"
ليقلل من صعوباتهم، وبالفعل تم الاتصال "بمسّبل" القرية فبردع له حماراً معبئاً، مع كمية من المال ووعد بكميات أكبر في الأيام القليلة القادمة.
ومن عتبة حانوته لفتت حورية نظره الثاقب وهي تعبر الشارع مع أخيها الصغير. فايقظت شهوته التي كبتتها ظروف الحرب، ترقبها مراراً متلهفاً إلى الوقت الذي تأتي فيه إلى حانوته لتشتري شيئاً ما فيملأ ذراعيها بكل ما تطلب مجاناً لاغرائها. ولكنها لم تفعل أبداً. كان أبوها يقوم باقتناء، لوازم البيت، وإذا اقتضى الحال يرسل أحد أخويها الصغار، بسهولة عرف أهلها واستفسر عن حالتهم المادية فخامرته فكرة سُرَّ لها واطمأن قلبه لأنه سيصبح من الأعيان الأغنياء الذين يملكون زوجات متعددات. فاتصل بعجوز من معارفه استقصت الأمر في سرية وفرشت الورود الفواحة أمام الأم. أوصلت للسرجان كل المعلومات اللازمة المفيدة ثم مباشرة انتهى إلى تنفيذ قراره فكلف وفداً من كبار أهل القرية ليقنعنوا أباها بمصاهرته رغم أنه متزوج وله أولاد. وإذا رأى الأب ضرراً في جمع الزوجتين تحت سقف واحدا فهو مستعد لاسكانها في منزل مستقل. إنه رجل ثري وسيقدم المهر الذي يطلبونه دون مناقشة ويستطيع تقديم مالاً يحلمون به .سيكون العرس من أكبر ما شهدت القرية في حياتها. كان أبوها "بوزهير حميد" رجلاً فقيراً وبسيطاً ينصهر في راي الجماعة بسهولة، خجولاً، محتشماً لا يقدر على رفض طلب وفد من كبار أهل القرية. يشتغل نجاراً في احدى ورشات المعمرين في المدينة الكبيرة المطلة على البحر. يقطع المسافة الفاصلة بين القرية والمدينة راجلاً عبر الدروب المثعبنة وسط التلال والأودية ولا يغادر مكان العمل إلا مع غروب الشمس بعد أن يكون قد امتلأ بغبار النجارة الكاتم للأنفاس يقوم بعمله في جدية ملحوظة ولايتغيب إلا في الحالات النادرة بعد أخذ الاذن من صاحب الورشة. أنه قليل الاتصال بسكان القرية. يفضل العزلة في نقش قطعة الأرض المحاذية لمنزله على أن يلتحق بالمقهى لاضاعة الوقت في لعب الدومينو أو الكرطة. رضي الأب بالمصاهرة. كبرت ابنته وهي صالحة للزواج فلماذا يفكر في الأمر إذن؟.
صحيح أن السرجان متزوج ولكن ما العيب في ذلك؟ فهو غني يستطيع اعالة أربع زوجات والدين لا يعارض تعددهن لدى الرجل الواحد. الرسول نفسه كان متزوجاً بتسع نساء... هذا كلام ردده أعضاء الوفد كثيراً وسط مديح وتهليل لخصال السرجان وثرائه. بهذه الكيفية البسيطة تقرر مصير حورية دون استشارتها.. ومنذ متى تستشار المرأة في زواجها في هذه القرية وغيرها من القرى المجاورة؟ لم تعلم الخبر اليقين إلا بعد زيارة الوفد إلى البيت فوافق أبوها أثناء الجلسة وطمأن الرجال على أن المسألة بالنسبة إليه محسومة وليس من الرجولة أن يطلب رأيها فيما يقوله أمام نفر من الرجال، فهم قصدوا الرجل وعلى الرجل أن يجيبهم بمحض ارادته وحريته لاغير وحتى أن رفضت الزواج فلا يملك الشجاعة الكافية للتراجع عن قراره.
إن تراجع سيصبح أضحوكة القرية. رجل بشلاغمه يتراجع عن كلمته تحت تأثير زوجته أو ابنته، هذا عار فظيع سيلاحقه بقية حياته وسيحرمه من النوم الهادي ومن الافتخار برجولته أينما كان.
انهمرت دموع حورية على خديها الملونين بلون التفاح الأحمر، قوية كالأمطار الاستوائية بدون انقطاع لمدة سبعة أيام بلياليها مرّة مُجهرة رفضها ساخطة لا تفعل شيئاً سوى البكاء ممتنعة عن الأكل والعمل والكلام . ومرة أخرى تغلق الباب على نفسها باحكام وتترك اليأس يغزو تفكيرها المشوش ولا تفتح الباب لأمها العطوف كما أنها لا تجيب لتوسلاتها الرقيقة الحنونة، أما الأب فلم يعر أي اهتمام لهذا السلوك الصبياني مثلما سمّاه، كان واثقاً كل الثقة، بأن ابنته ستدرك مصلحتها بعد حين وستكف عن هذا الهراء. وحينما مرّ الأسبوع الأول ولم تغادر حورية حجرتها لسبب ما واجهها في ثبات قائلاً بنبرة حاسمة:
- دعك من البكاء كالطفلة الصغيرة وفكري بعقلك.. لن أتراجع عن موقفي وسأزوجك لهذا الرجل إلا إذا شاء الله وأماتك قبل ذلك.
اكتفي بهذه العبارات الصادرة عن ايمان عميق بأنه يتصرف على حق ولم يدرك في تلك اللحظة بأنه قد تنبأ بمصيرها دون معرفة وأن ابنته حورية ستموت دون أن تتزوج السرجان. وبعد سنة ونصف حينما أخبره أحد الرجال القاطنين في الريف بموت ابنته بتلك الطريقة المرعبة تذكر ما قاله هذا اليوم وندم أشد الندم على تصلبه واصراره على تزويجها رغم ارادتها.
بكت حورية طويلاً حتى أصبحت عيناها شديدتي الاحمرار ولا تفتحهما إلا بصعوبة فائقة.
أصابهما التهاب حار وقوي ولم تمنع نفسها من حكهما طول الوقت. كان يتغلب عليها اليأس في لحظات الانهيار العصبي ولكنها كلما تخيلت صورة مصطفى وذكرت الأيام السعيدة لطفولتهما انتفضت وقررت بعنف أنها تفضل الموت على الزواج الاجباري. أدركت في قرارة نفسها أن البكاء والعويل والانطواء لا يفيدها في شيء ولا يخرجها من المأزق. أطلقت العنان لخيالها وأحلامها تقترح لنفسها خطة توصلها إلى حبيبها. افترضت كل الامانيات المحتملة دون أن تتوقف عند واحدة يمكن تنفيذها. رفضت الزواج الاجباري لسبب ظاهر واضح هو أنها تحب شاباً غائباً وتنتظر عودته. وبحثت في باطنها عن سبب آخر، به نقمت على أبيها لموقفه السلبي تجاه الثورة. هل هو جبان أم يتعاطف مع المعمر الذي يشتغل عنده؟ تفتخر بمصطفى أشد الافتخار. أنه بطل شجاع ولا يهاب أحداً. ولماذا لا يكون أبوها مثله ويرفع مكانة العائلة وسط أهل القرية. يتكلم الناس في الخفاء في الليل حول الموقد أو في عرصة الدار تحت سماء متلألئة بالنجوم، يروي أهل القرية ما يتسرب من أخبار من قمم الجبال الكثيفة الأشجار بطولات ومعارك ضارية.. كلما وصل خبر استشهاد أحد المجاهدين من سكان القرية إلا وتقرأ الفاتحة بصوت خافت في كل البيوت وتتلى الدعوات الطويلة المتوسلة للرحمن أن يدخله الجنة دون حساب أو عقاب مهما ارتكب من ذنوب وأتى من شر.
|