رد: بطاقة السحرية
بعد خروجه من الجيش، عمل "شامبيط" في القرية وضواحيها لفترة وجيزة ثم فتح حانوتاً مباشرة بعد اندلاع الثورة. ومن موقعه الاستراتيحي، على عتبة الحانوت، يشرف السرجان على جميع ما يجري من أحداث. كما يعرف كمية المواد الغذائية التي يشتريها كل فرد، وهل يكتفي بالمقدار الخاص لعدد أعضاء العائلة أم يزيد فوقها؟ بهذه الطريقة يتعرف على من يبعث المؤونة إلى المجاهدين، وتصل كل هذه المعلومات ساخنة إلى الثكنة القابعة على طرف القرية منذ مدة قصيرة.
وعادة ما يجلس رجال القرية بمحاذاة الحانوت في نهاية الظهيرة قبل غروب الشمس، أثناء الأيام الدافئة، ويبحرون في أحاديث شتى دون قيد أو نظام، ويشاركهم السرجان مجهداً نفسه لاستشفاف بعض الأخبار التي تفيد "مسيوغوميز" رئيس البلدية، صديقه الحميم. في البداية كان يتصل بالسلطة العسكرية دون خوف أو مراوغة لأنه متأكد بأن هذه السلطة ستقضي على "الفلاقة" بكل سهولة. هي مسألة وقت فقط، تماماً مثلما فعلت مع المتمردين في السابق . ولكنه غير موقفه وأصبح يحتاط بحذر شديد في اتصالاته مع الادارة الاستعمارية منذ أن وجد " عبد الهادي رمضان " مذبوحاً على عتبة منزله. صادفه أحد الشيوخ في الصباح الباكر، مرمياً بطوله الفارع على الأرض، يتدلى رأسه على حافة الرصيف فيما اختفت رجلاه خلف الباب المفتوح، كان يرتدي "قندورة" بيضاء تلطخت ببقع من الدم المتخثر انحط رأسه على بركة دم كالتي يتحاشر حولها الأطفال في عيد الأضحى حينما يعلق الأب أو الجد الكبش المذبوح لسلخه وتفريغه. في الصباح، بعدما انقشع الليل، حينما حضر رجال الدرك والشامبيط، كان دم البركة لم يجمد بعد. سقط الرأس منفصلاً عن بقية الجسم أثناء تحريك الجثة لادخالها إلى البيت، وقع الوجه على البركة الصغيرة، فتطايرت قطرات كثيرة ملطخة بعض الأرجل، أصبح الرأس المستدير، الساكن أحمر كانه غطس كلية في كمية أوسع من الدم أو داخل الدهان الأحمر مثل الذي تدهن به الواجهات الخارجية لمحلات الجزارة. وبقي الحاضرون مبهورين ومذعورين أمام الكرة الحمراء ولم يتجرأ أحد على رفعها وادخالها البيت مع الجثة. تبادلوا نظرات فارغة مرتبكة ثم تنبه أحدهم وأحضر دول ماء ورش الرأس.
كان "عبد الهادي رمضان" "حركياً" يتعامل مع قائد الثكنة العسكرية المستحدثة في القرية شخصياً، وجهرا أمام الملأ وبمرأى من الناس جميعاً، ويعلن عداءه واستهتاره، واحتقاره للمجاهدين دون خجل أو خوف. كان وحيداً في منزله في تلك الليلة. في صباح اليوم الذي سبق اعدامه أوصل زوجته وأولاده إلى أهلها القاطنين في قرية مجاورة بمناسبة حفل ختان. لم يسمع أهل القرية ضجيجاً يذكر.
ولم يجد "عبد الهادي رمضان" وقتاً للصراخ أو طلب النجدة. كانالإعدام سريعاً وفعالاً ولم ترتعش اليد التي أمسكت السكين الخاص ومررته بثبات على الرقبة السمينة كرقبة كبش الأغنياء.
شاهد السرجان الجثة الملقاة على الرصيف وتصور لحظتها أنه مذبوح وممدد في مكان الحركي، فارتعدت أوصاله وتضاعف خوفه من المجاهدين القادرين على اختراق حدود القرية المحروسة بالعساكر المسلحين تسليحاً عصرياً واغتيال أي فرد في بيته ثم الإنسحاب في صمت دون جلب نظر الحراس. عاد إلى منزله مباشرة يطارده هاجس غريب أقلقه وأضجره. وقبل دخوله غرفة النوم ليستريح قليلاً ويسترجع أنفاسه انحنى لينزع حذاءه فشاهد قطرات دم على أحداها. توقف عن الحركة. وفي تلك اللحظة قرر في نفسه التصرف بحكمة ودهاء كي يرضي الطرفين وأن يضرب عن التوجه إلى الثكنة. فذلك أمر مكشوف ومصدر للأخطار بل عليه أن يتصل بالسيد غوميز رئيس البلدية وهوالذي يوصل أخباره إلى قائد الثكنة.
|