Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 218

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 223
منتديات شباب فلسطين - عرض مشاركة واحدة - بطاقة السحرية
الموضوع: بطاقة السحرية
عرض مشاركة واحدة
قديم 05-13-2009, 01:27 PM   #10
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

لفظ العبارة بخفة، تماماً مثل مطر الإعصار الذي ينهمر فجأة وبكميات كبيرة ثم ينقطع بعد حين، لم تجبه مباشرة. توقفت عن السير، طأطأت رأسها فترة وجيزة ثم نظرت إلى التلال المقابلة لهما، وقالت بصوت ثابت ونبرة حادة:‏

هل يقبل المجاهديون النساء في صفوفهم؟ ابتسم مندهشاً وحدق في بياض عينيها قائلاً:‏

- أنا أتكلم بجد، لا أمزح.. الحياة في الجبال صعبة للرجال، فكيف يقبلون النساء أنهم يحاربون بالبنادق والرصاص..‏

أراد أن يقول لها أكثر من حياة الجبال لكنه يجهلها. ولكن رغم عدم معرفته بها فهو متأكد أنهم لا يقبلون النساء لأن المحارب ينبغي أن يكون خفيفاً كي يتنقل بسرعة ويسير في الليالي وينام وسط الأحراش والأودية، هل تتحمل المرأة هذه الحياة الشاقة؟ طبعاً لا.. خيم الحزن والمرارة على وجه حورية البريء.. ومكثت تفكر ملياً ثم فجأة برقت عيناها وقالت بخفة كأنها خائفة من تبخر فكرتها:‏

- ومن سيحضر لكم الخبز والطعام؟ أعرف. كل هذه الأشياء... تعلمت من أمي جيداً...‏

- اسمعي يا حورية... دعك من الكلام الفارغ، واكتمي السر ولا تخبري أحداً... نحن نذهب لنحارب فرنسا، أفهمت... لا نصعد إلى الجبال لجمع الحطب بل لمحاربة فرنسا، وهذه مسألة تخص الرجال دون النساء...‏

- بعد أن تلتحق بالمجاهدين، سأجيب من يسألني بأن مصطفى مجاهد كبير...‏

أجابت باعتزاز وكبرياء، رافعة رأسها باستقامة ثابتة. سكتت ثم قالت بخجل وارتباك موجهة بصرها نحو التراب:‏

- سأنتظرك يا مصطفى حافظ على نفسك والله يكون معك.‏

بعد يومين من هذا اللقاء الخاطف اقتفي مصطفى عمروش وصديقه علي زغمار آثار الدروب المُثعبنة وسط الأحراش التي لا تغطي جسميهما كلية ثم دفا وسط غابة من أشجار الصنبوبر والبلوط كثيفة الورق والأغصان، والتي لا توحي بوجود حياة إنسانية بداخلها، تأبطا معهما كيساً خيشياً يستعمل للقمح والشعير، رمياً فيه بعض اللوازم الخاصة من اللباس والأكل، وطافا وسط التلال والأودية بحثاً عن المجاهدين.‏

كانا يتصوران أنهما بمجرد الولوج داخل أول غابة، سيصادفان أفواجاً من الرجال الأشداء مدججين بكل أنواع الأسلحة، وسيستقبلان بالأحضان المفتوحة على مصراعيها، وتمنح لهما الرشاشات والبدلات العسكرية، ومباشرة تنطلق المعارك ويعيش الصديقان البطولات العجيبة. غدرا القرية في الصباح الباكر قبل انبلاج الفجر، فأشرقت الشمس مبتسمة ودارت دورة كاملة وأوشكت على الغروب، ولم يعثرا على شبح مجاهد واحد. أصابهما القلق والتعب والجوع، فاختارا لهما مكاناً آمناً تحت شجرة بلوط ضخمة، أكلا قليلاً وجلسا يتساءلان حائرين عن المكان الذي يخفي المجاهدين. توقعا مختلف الاحتمالات الممكنة حتى التي مفادها أن وجودهم اشاعة باطلة اخترعها الناس لتخويف المعمرين. ولكن ايمانهم بوجود "الخاوة" كان قوياً لا تزعزعه الشكوك ولا يضعفه يوم كامل من البحث الدؤوب. بقيت تساؤلاتهم معلقة في الفضاء بلا مجيب، ناما تلك الليلة بالتناوب مسترقين السمع إلى عواء الذئاب ونعيق الضفادع المنبثق من كل الأرجاء. وفي الصباح الباكر مع انقشاع أول خيوط الظلمة، كان الصديقان مستعدين للبحث وباصرار أكبر هذه المرة. المنطقة جبلية، تغطي الأشجار مساحتها، وهي خالية من السكان. بلّل الندى ثيابهما أثناء الاحتكاك بالأغصان المورقة وأصاب وجهاهما وأذرعهما بخدوش بسيطة، أسالت بعض قطرات الدماء. حينما ارتفعت الشمس وكونت زاوية مستقيمة مع الأشجار، تضاعفت حرارتها مما اضطرهما إلى الاستراحة تحت ظل غصن مورق يحجب رؤية أديم السماء. لم يسمعا أي صوت حتى وجدا رجلاً واقفاً على رأسيهما متسائلاً بنبرة حادة:‏

- ماذا تفعلان هنا في هذه الغابات البعيدة؟ صعقهما الرجل بسؤاله وهيئته الوقورة. كان واقفاً بثبات يرتدي قشابية صوفية بنية اللون، غطت كل جسمه ما عاد ذراعه الأيسر، وعلى رأسه شاشية حمراء. تبادلا الصديقان نظرات حائرة وأدرك مصطفى بحدسه أن هذا الرجل منهم بلاشك فوقف بخفة وقال:‏

- جئنا عندكم.. كنا نبحث عنكم منذ صباح أمس: تبحث عن من؟‏

- المجاهدين... جئنا نحرر الجزائر... نحارب فرنسا..- ومن قال لكم بأنكم ستجدون المجاهدين هنا؟ أنا أسكن المنطقة ولا أعرفهم ولم أسمع عنهم شيئاً. احتار مصطفى أي الإجابة الملائمة يقدمها للرجل الغريب. تردد قليلاً، تلعثم ولكن سبقه صديقه علي في الرد السريع العفوي- في قرية عين الفكرون سمعنا بأن "الخاوة" يسكنون الجبال ويقاتلون لطرد الفرنسيين من بلادنا فجئنا نلتحق بهم.‏

حدق الرجل في سحنتهما بإمعان. بقي لحظة شادر الذهن كأنه يفكر في قرار ما ثم أخرج يده اليمنى من تحت القشابية وأدخل ابهامه وسبابته على شكل دائرة داخل فمه وأطلق تصفيرة مدوية. وما هي إلا ثوان حتى امتلأ المكان برجال مسلحين ينظرون إليهما مثلما ينظر الصياد إلى غنيمته. سر الصديقان سروراً عظيماً وتبخرت الشكوك والأتعاب وحل محلها الحماس والاستعداد الأعمى. تضاعف سرورهما حينما تعرفا على ثلاثة رجال من قريتهما وقويت عزيمتهما واطمأنا لحالهما أيما اطمئنان، وهكذا أصبح الصديقان في صفوف الثورة يشاركان في التدريبات والرحلات والأعمال الخاصة بتحضير القواعد الجديدة وتحسين أماكن الراحة الآمنة، وبعد مرور أشهر قليلة أصبحا جنديين متكاملين وبدأت المعارك والبطولات والمآسي..‏

ومكثت حورية في منزل أبيها حزينة لفراق حبيبها، وسعيدة لأنه رجل شجاع ومجاهد، لم تدرك مكانته في قلبها إلا هذه المرة. قبل ذلك كانت العلاقة عادية، تستطيع رؤيته ولو خلسة من بين يقوب الأبواب والجدران والجدران أثناء دخوله أو خروجه إذ كانت العائلتان متجاورتين في المسكن. أما وهو غائب فاشتاقت إليه كل الاشتياق وحنت إلى كلامه وإلى وجهه وإلى نظراته.‏

عند القيلولة حينما يهدأ الضجيج، وتقل الأعمال المنزلية تتمدد على الحصير وسط باحة الدار وتسرح خلف الذكريات الجميلة وتتخيل مواقف سعيدة، ترفض نهايتها وتتمنى لو تستمر الأحلام بلا انقطاع إلى مالانهاية تضجر وتفور قلقاً وارتباكاً حينما تداهمها أمها بأمر ما، فتضطر إلى النهوض والانصياع مكرهة، مكفهرة الوجه متناعسة. فكانت تتخيل مصطفى بلباس المجاهدين وببندقية تلمع لمعاناً ساطعاً، يباغتها في لحظة ما، يقف أمامها فجأة دون سابق انذار. وفي بعض الأحيان تتشجع مخيلتها وترى نفسها مجاهدة تطوف الجبال مع مصطفى ورفاقه، تحضر لهم الأكل وتغسل ملابسهم. وتلوك هذه الأحلام مراراً وتكراراً في أوقات فراغها حتى أضحت حقائق تلتبس مع الواقع الملموس.ومع الأيام تباعدت لحظات الأحلام ، واكتسى الضباب وجه مصطفى مفاوت لا تتذكره إلا حينما تستيقظ ليلاً تحت دوي طلقات الرصاص القريبة من القرية‏

مرت أربع سنوات ثقيلة، مرعبة، ولم تتلق حورية إلا أخباراً خاطفة عن مصطفى، جمعتها مناسبات متعددة بأمه فحاولت أن تتلصص بعض الأخبار عنه دون دوى، إن الأم مثلها لا يصلها عنه خبر يذكر. كل ما تعرفه هو أنه مازال حياً يرزق ويتمتع بصحة جيدة، وسيعود إلى القرية بعد استقلال البلاد. نفس العبارة يرددها زوجها كلما استحضر الحديث عن الابن مصطفى، ويقسم لهم الأب بأنه سمع النبأ من "مسبل" القرية الذي يتصل بالمجاهدين في الجبال كلما سنحت له الظروف. فهو يعرف مصطفى ويلتقي به دائماً هناك. تصر الأم لمعرفة تفاصيل أخرى، سواء بالأسئلة الملحاحة أو بالنظرات الحائرة القلقة، ولكن يجيبها الأب مكرراً نفس العبارات التي ما فتيء يرددها منذ سنوات.‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة