رد: بطاقة السحرية
الفصل الثاني
تمدد بطوله الفارع على الفراش يستريح قليلاً من الحرارة المضطرمة خارج البيت، وربما يستغرق في نوم ينسيه القلق والحيرة والتعب. كان الضوء يتسرب خافتاً من الفتحات الضيقة للنافذة الخشبية ولكنه لا يصل إلى حد اغراق الغرفة كلية. فبقي الجو بداخلها مظللاً ودافئاً يرخي العضلات ويجذب النوم باغراء أينما كان مختفياً هارباً هو الآخر من الاضطرام السائد وسط القيلولة، أدار الراديو الموضوع بجانبه، فأنطلق صوت المذيع، وتيباً متنأوماً يذيع الأخبار الوطنية والعالمية، بنفس الوتيرة المتواصلة لا يفرق بين أخبار مهمة وأخرى تافهة، بين أحداث جديدة وأخرى قديمة ما فتىء يكررها ويلوكها منذ أيام دون ملل أو سأم. انساق مصطفى عمروش خلف الصوت لدقائق معدودة ثم هاجره بدون وعي منه إلى هواجسه الباطنية التي تلاحقه وتطارده وتجذبه إليها بقوة المغناطيس أو الجاذبية الأرضية. بعد مدة لا يعرف كم استغرقت من الوقت أعادته موسيقى صحراوية رتبية مثل الجو الحار ساعة الظهيرة إلى الاحساس بالعالم المحيط به، فانبعث صوت المغني الجهوري، صاحب النبرات الخشنة في مد طويل يليق بالفضاءات الشاسعة الممتدة إلى ما لانهاية، فلاة مسطحة وخط مستقيم لا يكسره حاجز مهما كانت أهميته من أشجار باسقة أو تلال شامخة أو واحات منقذة. موسيقى صحراوية بسيطة، تلك هي المقاطع المفضلة عنده، يسرح خلفها في فضاءاته الممتدة إلى أقصى ما تصله العين النافذة والمخيلة الجامحة، لحظة لذيذة، غرق في ثنايا أحابيلها حالماً بأشياء جميلة مزينة بكل الألوان الناصعة ما عدا الأحمر القاني. وفجأة انتقطعت الأغنية وعاد صوت المذيع مزعجاً ومعه استيقظت آلامه وعامت على السطح مضطهدة لحظات السكينة المجلبة للنوم المريح.
من ساحة المنزل تواصل إليه صراخ ابنه الأصغر المدلل ثم صوت الأم ناهراً مزمجراً، ومهدداً ابنها الثاني الذي يكبر الأول بسنوات قليلة ويكون قد تخطى سياج الحديقة، بمجرد ظهور الأم علي عتبة الباب قادمة من المطبخ. يختفي حتى تهدأ أعصابها ثم يعود مختلساً محاذياً الجدران كالذئب الخطاف. انقطع البكاء وهدأت الأصوات وعاد الصمت الثقيل من جديد ومعه الحرارة الجافة التي يبدو أنه تصاحب السكون فترتفع بارتفاعه وتضعف بضعفه، وعاد مصطفى عمروش إلى القلق والحيرة والذكريات المحزنة والمؤلمة.
كان صدره عارياً ويداه مضمومتين خلف رأسه ومسندتين إلى المخدة الصوفية ويمسح ببصره وجه الجدار المقابل وبالضبط الصورة الكبيرة المعلقة في وسطه، صورة محمية من التمزق والبلي داخل إطار زجاجي من الوجه الأمامي المكشوف وإطار خشبي من الوجه الخلفي المخفي. تمثل رجلين وامرأة شابة تبتسم بخجل وحشمة، يلبس ثلاثتهم زياً عسكرياً، وهم واقفون بثبات وافتخار قرب أشجار الصنوبر وبعض النباتات المتوحشة المورقة التي توحي للناظر بأن الصورة التقطت في يوم من الأيام الربيعية الزاهية وسط غابة ما. كانت الفتاة تتوسط الرجلين، قصيرة القامة لكنها ممتلئة وعلى رأسها قبعة كبيرة وفي وسط ذراعها الأيسر قطعة من القماش الأبيض رُسِمَتْ عليه خطوطاً بالأحمر، فهي فارغة اليدين فيما كان المجاهدان يحمل كل واحد منهما بندقية حرب على كتفه، محكماً إياها بشدة واعتزاز كأنه يخاف أن تفلت منه وتسقط على الأرض وتتركه يتيماً بدون حماية. كان مصطفى عمروش يقف على يمين الفتاة فيما وقف على يسارها صديقه الحميم صديق الصبا والطفولة والشباب علي زغمار الذي استشهد بعد أسبوع فقط من أخذ الصورة، استحضر الوجه البشوش، الوجه الذي تشبثت قساماته بكل تفاصيلها في ذاكرته حياً نابضاً، يتدفق حركة، وبريق العينين الشديدة السواد رغم مرور سنوات طوال منذ اليوم الذي استشهد فيه صاحب الوجه العزيز، حيث تمزق جسمه إرباً إرباً وأصبح كومة مشوهة من اللحم والعظام والدم المخثر والتراب والحصي بعد أن أصيب باحدى القنابل المميتة المنبعثة كالصاعقة من الطائرات العسكرية المسربلة المحومة فوق رؤوس المجاهدين المذعورين الذين لم يعرفوا أين مسلك النجاة من الجحيم الجهنمي قتل الكثير منهم في تلك المعركة ، وجرح مصطفى عمروش بشظايا متفجر جروحاً خفيفة التئمت آثارها بعد أسابيع . كما استحضر صوته وضحكاته المرتفعة المدوية ، وطريقة مشيه وركضه فعاش لحظات مفرحة وأخرى محزنة ، في حنين قاتل إلى العودة إلى الماضي الذي كانت فيه الحياة غالية يضطر الانسان إلى الدفاع عنها بكل ما يملك، ماض يعرف دوي الكلمة وقيمة الوعد وحرارة الدفاع عن قيم لاقيمة لمال الدنيا كله بجانبها. بعد سنوات من الاستقلال الوطني حينما انتشرت موضة البحث عن جثث الشهداء واعادة دفنها في مقابر جماعية جميلة مزينة بالورود المتفتحة والرسوم النحتية المعبرة، عاد إلى ميدان المعركة التي قتل أثناءها صديقه. كان ضمن وفد كلف رسمياً بالبحث عن الرفاة، فاتصلوا بسكان الناحية وعثروا على رجل ما زالت ذاكرته نابضة بالحياة فأعادهم إلى تلك الأيام البطولية الراسخة، يومها، اندس الرجل وسط الغابة يقطع الديس الأخضر ليغطي به سقف غرفة جديدة يخصصها لابنه البكر الذي كان سيتزوج في تلك الصائفة فسمع دوي الرصاص المتعالي وصوت "الله أكبر" الرهيب فأدرك بالعادة أن اشتباكاً قد واجه المجاهدين ضد الجيش الفرنسي.
|