رد: بطاقة السحرية
لم يكن مصطفى عمروش ينتظر مثل هذا الموقف من صديقه القديم. تأمله قليلاً، هز رأسه بمرارة وقال: الله يهديك ياسي الحاج... أنت زرت بيت الله وقبر النبي المصطفى، وانعزلت للعبارة، فما الذي حشرك في هذه الزوبعة؟ عد إلى دارك ودعك من المشاكل... قفل راجعاً بعد ذلك وأتمم بقية المسافة دون أن يتوصل إلى تنظيم تفكيره وازالة الاضطراب والتوتر، استرسل في خطاب داخلي منفعل تكاد الكلمات تطفو على شفتيه اليابستين من ارتفاع الحرارة:
" إذا أراد التوبة فليطلبها من الله، هو وحده الذي يقبلها أو يرفضها... أما البطاقة فما دمت حياً وفي هذا المنصب أقسم بروح كل الشهداء الأبرار أنه لن يراها... سأفضحه في الاجتماع بحضور الجميع، أتوقع أن يسانده كثير من أخواننا المجاهدين الذين لا يعرفون الحقيقة أو أشباه المجاهدين الذين لا يملكون من الجهاد إلا البطاقة، ولكني سأرفض رفضاً قاطعاً، أن أتنازل عن موقفي، لن ألطخ ذكرى سي السعيد ومعه كل الشهداء.
قاوم البطل التعذيب المرعب أسبوعاً بأكمله رغم الجرح ولم ينطق الا صراخاً وأنيناً.
يتصور مسيو السرجان أنه يشتري كل شيء بماله.. فليبن مسجداً بل آلاف المساجد... ماذا تفعل قرية عين الفكرون بالمسجد؟ يصلي المسلم في أي مكان... ومسجدنا يكفي لجمهور المصلين، توجد أشياء لا تشترى حتى بالذهب الخالص. لم أبع كرامتي بالأمس ولن أبيعها اليوم وأنا لم يبق لي من الدنيا إلا القليل."
أشرف علي مقر القسمة فلاحظ جمهوراً غفيراً من الرجال كهولاً وشيوخاً وافقين وسط الساحة في حلقات ثنائية وثلاثية ورباعية يتجاذبون أطراف الحديث في حماس ظاهر وملفت للانتباه، لحظة تشبه فترة انتخابات المجلس الشعبي البلدي. حينما اجتاز سياج الحديقة هرع الجميع يسلمون عليه، مصافحين ومقبلين، فأنشغل بالحديث مع رفاق السلاح وأصدقاء الطفولة متناسياً لفترة ما قلقه وترتر أعصابه وملاحقة السرجان له حتى في أحلامه.
|