رد: بطاقة السحرية
كان يتكيء على الجانب الخارجي للكونطوار الطويل داخل مقهاه، يحيط به مجموعة من الرجال من أصدقائه ومن بعض المعارف البعيدين الفضوليين، يتعمد رفع صوته كي يسمع الصالة بكاملها، يتظاهر الجالسون بلعب الدومينو ولكن كل جوارحهم متيقظة لاستقبال حديثه والتمتع بعد ذلك بروايته. ويصل الخبر إلى مصطفى عمروش مباشرة بعد اذاعته، لربما يكون السرجان لم يغادر المقهي بعد، تنتشر الأخبار بسرعة البرق. ولا يُخفي خبر مهما كان خطيراً، بل بالعكس نوعية هذه الأخبار غير العادية هي التي يتسارع الناس ويتلذذون في روايتها. الكل يعرف الكل عن الكل، لم يتسرّع مصطفى عمروش إلى الاجابة عن اشاعات خصمه بل تريث وانتظر أن تمر الزوبعة بسلام، رغم الانفعال والغضب الظاهرين على قسمات وجهه وأصابعه المرتعشة قليلاً وبريق عينيه السوداوين اللتين تحلمان بانتقام ما، يكون لون الدم الأحمر القاني هو اللون الطاغي على كل الألوان مهما تضاعفت كثافتها. نصحه بعض أصدقائه المقربين بتجنب شر السرجان وبطشه. إنه قوي بماله وعلاقاته المتشعبة مع مسؤولين كبار في الدولة بل منهم من قالها صراحة دون التواء، الامضاء والتخلص من الأشكال، إنها بطاقة بسيطة لا تنفعه في شيء ولا تضر منظمة المجاهدين، هو شيخ بدأ يخرف يملك كل شيء إلا هذه البطاقة التي يتصور أنها ستعيد إليه الاعتبار، ربما يشعر بالندم من تصرفاته إبان الثورة ويريد إراحة ضميره. كاد مصطفى عمروش يعترف جهراً بواقعة الخيانة وأن الذي باع مجاهداً جريحاً مصاباً بخمس رصاصات إلى الجيش الفرنسي يستحق الذبح أو الشنق أو الدفن حياً.
فكيف يمنح بطاقة نضال لخائن كان يتبختر في النعيم فيما كان الثوار مطاردين كالذئاب عبر الأودية والغابات الموحشة، هروباً دوماً من القنابل المحرقة والتمشيط العسكري الشامل متحملين البرد القارس وارتفاع حرارة الطقس والجوع والعري والحفى، ولكنه تراجع في نهاية المطاف متحججاً بعدم تعميق وتوسيع الجرح، بعد أيام سيصمت السرجان وينشغل بأعماله وينسي قصة البطاقة، نهائياً، خمن هذا الكلام دون أن يحسب حساباً لتعنت السرجان وإلحاحه على أخذ البطاقة مهما كلفه ثمنها.تعود ريح كل القضايا التي يخوضها، فما معنى أن يخسر هذه بالذات؟ فلم يتراجع ولم يتنازل عما أسماه حقاً شرعياً له، بل طفق يعلن جهراً في كل مناسبة وفي كل مكان عن نيته في أخذ البطاقة النضالية ومن امضاء مصطفى عمروش نفسه مستعداً لاستعمال كل الوسائل الممكنة وغير الممكنة فهو قادر على صنع المعجزات.. إنه السرجان سي أحمد تكوش.. من لا يعرفه في المنطقة؟ تجاوزت أخباره قرية عين الفكرون وتسربت إلى غاية العاصمة، ابتدأ من لا شيء وجمع ثروة ضخمة تعجز عن عدها الحاسبة الالكترونية ويمكنه الافتخار بدون خجل أنه من بين أكبر أثرياء البلاد إن لم يكن أثراهم جميعاً مثلما يحلو له أن يعلق مزهواً.
|