رد: الانفجار
لا تذكر اليوم كيف وجدت تلك الجوارب الطويلة ووضعتها في محفظتها، وصارت تلبسها عند باب المدرسة . تقول لها رفيقتها: عناد! لا يستحق الأمر هذا العناء! ترد: بل طريقة في الحياة، الدفاع عن الرأي يستحق العناء. لتكن للمديرة فقط باحة " مدرستها " حيث اضطر إلى المرور أمامها!
فيما بعد عرفت أن تلك المديرة خرجت في أول مظاهرة نسائية نزعت الحجاب علناً في ساحة المدينة وتحدّت ماء الفضة. تساءلت يوم عرفت ذلك: كيف أصبحت تلك الشابة الجميلة في الصورة بشعة وقاسية كما تبدو الآن وهي مديرة؟! فهل تستطيع أن تتساءل اليوم التساؤل نفسه وهي ترى الناس رجالاً ونساء ينقلبون أمامها من الجمال إلى البشاعة؟ كان يخيل إليها أن الانهيار قرار صعب أو قدر مستحيل. لكنها في هذه الأيام استنتجت حقيقة جديدة: أن الانهيار إغراء سهل، لا هزيمة فقط، وأن الانسان يجب أن يدافع حتى عن ظهره المستقيم . ودافعت عنه! ظلت تحضر دروسها في عناية ، ظلت تصحح أوراق طلابها في انتباه، ظل تراجع المستوى العلمي يقلقها، ظلت تناقش في حرارة المشاكل التي نوقشت مرات. وبقيت تهوى الزهر الذي يعبق في الصباح، وتلبس ألواناً مفرحة، وتوزع نباتاتها في الشرفة الصغيرة، وتزين جدرانها بصور لوحات، وتخيط للستائر حافة من الدانتيل. ظلت تحب البسط الملونة، وشغل الإبرة، وإطارات الصور القديمة.
" هل أمسك بكل تلك الأشياء، وأمسك حتى بأصوات العصافير في ساعة معينة من المساء والصباح، كي أثبت في الريح التي حملت أصحابي بعيداً عن المكان الذي التقيت بهم فيه؟ غير جيرانها وأصحابها ملابسهم. من كانت تصافحه أمس يسحب يده اليوم كيلا تلمسه . يخشى الدنس! هي دنس؟! من كانت تزوره لا يرحب بها اليوم. حاول هدايتها، وعندما نظرت إليه دهشة، ابتعد . عمل واجبه، يئس وانصرف! عمل واجبه في هدايتها، هي التي ابتعدت عن مدينتها وأهلها لتدرس، " اطلبوا العلم ولو في الصين"، ومشت هناك أيضاً ثابتة الخطوة في الريح والثلج، وعبرت الممر بين عصر وعصر، وانتزعت شهادة بالذكاء والتفوق لعالم أتت منه، هي تحتاج أن تهديها امرأة جاهلة؟ أين بقي طريقها الذي تمشي فيه مثابرة مسرعة؟ من جانب سراويل ضيقة، ومن جانب آخر ثياب قاتمة حتى الأرض وبراقع قاتمة. حروب وجرائم . انقلابات وتوبة. ماض يحترق وحاضر يرتجف. كأن ريحاً عاتية جرت الناس إلى الندم على حياتهم الماضية كلها، فنفضوها كما ينفض الغبار عن السجاد. لم يتركوا ثنية يخبئون فيها نزهة أو حباً أو ذكرى . كأن تلك الأفراح كانت إثماً .
|