رد: راوية فوضى الفصول عن الطفولة
كان "علو" يلحم صفائح الجبن المُملّح للناس، فيدفعون إليه ببضعة قروش تقوم بأوده، ورغم أن قصته تبدو عادية في حيثياتها، إلاّ أنه بقصد منه، أو من غير قصد، كان قد دفع بالأمور إلى حدودها القصوى، فهو لم يكن يقيم في دار كبقية خلق الله، بل اتخذّ من المحرس العسكري الذي بناه الفرنسيون عند جسر "الجغجغ" مسكناً، ولم يكن لداره تلك نوافذ بالمعنى المألوف للكلمة، إذْ استُبدلت بشقوق طولانية تمكّن المتمترس في الداخل من النظر! كما لم يكن لها ثمة باب، بل فتحة ضيّقة منخفضة كان "علو" يسّدها بلوح من التنك في الليل! وكان الدخان الناجم عن اللحام يغطّي الجدران؛ باسطاً ظلّه على المتاع النزر الزهيد! بقي أن تأتي القصة على تتمّتها، وتحاول أن تجيب عن السبب الذي حدا بالأمهات إلى تهديد أولادهن بذلك المسكين، من غير أن تستطيع إحداهنّ أن تقدّم تفسيراً مقنعاً لتلك النقطة! ألأنّ الرجل كان يربّي مجموعة من كلاب الصيد في كوخه مثلاً!؟ أم لأنه كان غامض الهوية للناس، مجهول الماضي!؟ هل كان " علو" صياداً قديماً؛ يدفعه هوى متأصل إلى تقديم كلابه على نفسه في المأكل والمشرب!؟ لكن تلك الأسئلة ستظل سرّاً مستعصياً على الناس، ربما لأن أحداً منهم لم يكن قد كشف في الرجل ما يضير، بل أنه على العكس كان كثير المزاح، محبّاً للأطفال، وكثيراً ما ارتفع صوته بأغان تركية رخيمة، فهل كان " علو" تركيّاً ألقت به يد الترحال على ضفة " الجغجغ"، أم أن الأيام العاتيات هي التي بعثرت فقرات عمره بتلك الطريقة!؟ بيد أن الوقت أخذ يتأخر، ولم يبق أمامكم إلاّ أن تعودوا إلى دوركم، إذْ ليس من المعقول أن تبيتوا ليلتكم في الكوخ، ولا بدّ من المجازفة! ثم أنكم متيقنّون ـ في النهاية ـ من أن قلوب أمهاتكم ستلين، وعندها فإن تلك القلوب ستميل إلى تصديق أكاذيبكم برغم المظاهر المكذّبة، فتعودون، وأنتم ترددون في سرّكم أن لا بدّ مما ليس منه بدّ!
|