رد: راوية فوضى الفصول عن الطفولة
ثم أنكم لستم مشاهدين سلبيين، إذْ قد يحلو لكم أن تعيدوا تشخيص ما استأثر بألبابكم على الشاشة البيضاء، فيروح أحدكم يتقمص دور "طرزان"، ويتوارى خلف نبتات السوس والإثل المنتشرة على ضفاف "الجغجغ"، بانتظار أن يجيء الوحش! وربمّا عنّ لكم أن تنقسموا إلى معسكرين متناحرَيْن، يضم الأول البطل ورفاقه على قلتهم، بينما يضم الثاني الملك الشرير وأتباعه، فتقعقع السيوف المصنّعة من الأطواق التي تُلفّ بها أكياس الخيش، والتروس التي كانت في الأصل قطع صاج دائرية أو بيضوية، في حين تتكفل الأشرطة المطاطية بحلّ مشكلة الأقواس والسهام! تشتد المعركة، فيزخ عرق الطفولة، وتقفز القلوب الغضّة عن الصدور، لكن النصر يمشي في ركاب البطل من كلّ بدّ، ذلك أنّ النهاية في الفيلم جاءت على تلك الصورة! والآن!؟ كيف تتدبّرون ثمن التذاكر!؟ تتفكرون، وتشبعون الموضوع تفكيراً، وتيأسون، وتكاد خطاكم الغضّة أن تتفرّق يائسة، إلا أن الحلّ ما يلبث أن يومض في فضاء الذاكرة! فهناك، بإزاء الدرب المتلوّي في طريقه إلى جبل "كوكب" كانت قمامة المدينة تنهض على شكل تلّة وسيعةغير مُنتظمة؛ يطلق عليها أبناء الحيّ اسم "الزبالات"! إنّها المكان الوحيد الذي يمكنه أن يمدّكم بثمن التذاكر !هناك،كنتم تجدون أكواماً هائلة من القمامة التي تضمّ خليطاً عجيباً من قشور البرتقال والطماطم المتعفّنة، وقشور التفاح والموز، وفضلات الأطعمة، ونوى التمر، والورق المُستهلك، والزجاج المكسور الذي كان يغطّي النوافذ أو الأبواب، والزجاجات الفارغة، والكؤوس المكسورة، والأواني النحاسية، أو تلك المصنوعة من "البافون"، وعلب الأدوية الفارغة، وبقايا الخضار والأحذية الجلدية أو البلاستيكية، ومزق الثياب، والمصابيح الكهربائية التي كانت تنير الشوارع والبيوت ذات يوم، وأعقاب السجائر،والأدوات البلاستكية التي لم تعد صالحة للاستعمال، وبقايا الحبال والقنّب! كان الرماد يغطّي كل شيء، وأسراب الذباب تسدّ الأفق، بيد أنّكم ما كنتم لتأبهون بها، ولا بالرائحة الكريهة المنبعثة في كلّ اتجاه، فما يهمّكم من ذلك الخليط ، يتلخصّ في آنية نحاسية، أو مداسات بلاستيكية كانت تعطيكم بطاقة مرور إلى صالتكم تلك!
|