رد: راوية فوضى الفصول عن الطفولة
كان سكان الحيّ يشكّلون خليطاً غير متجانس، بعضه يستمدّ دمه من نزيف ريفيّ مستمّر عن المناطق المجاورة، في حين تضخ المحافظات الأخرى بعضه الأخر، ولم يكُ الأمر ليخلو من ملامح غير واضحة لتجمّع منسجم القوام عندما يكون ذلك متاحاً! أما غالبية سكان زقاقكم فكانوا قد قدموا من ريف "حلب"؛ هرباً من الحاجة التي سرقتهم من قراهم، وبعثرتهم "كحواجين" في المنطقة الممتدة بين "الحسكة" و "الموصل"! وكان البقية يتوزعون على أعمال موسمية كما هو حال المناطق الزراعية عادة، فلقد كان قسم منهم يعملون كعتّالين في موسم القمح أو القطن، فيما اتكأ البعض منهم على شهادة محو الأمية للعمل كمستخدمين في المدارس والدوائر الرسمية، أما الذين حُرموا من هذه وتلك، فلم يجدوا بدّاً من تحويل غرفة من غرف دورهم إلى"دكاكين"؛ أخذوا يبيعون فيها شيئاً من الخضار أو السكر أو الصابون، من غير أن تنقطع أواصرهم بالقرى التي انحدروا منها تماماً، إذْ أنّ بعضهم كانوا قد تركوا وراءهم قطعة من الأرض؛ راحوا يستثمرونها بأنفسهم أو بوساطة مزارع!
وسط ذاك الخضّم أخذ أبوك يتفكّر في مهنة مريحة؛ تعينه على العيش من جهة، ولا توهن قلبه المريض من جهة أخرى، فقلّب الاحتمالات على وجوهها،بيد أنها لم تكُ تخلو من وجه كالح لا يتناسب ووضعه الصحي، ولمّا لم يقع على جواب مناسب، هدته أمك إلى الحلّ، فلم ينتظر طويلاً، بل عمد إلى باب الحوش يوسّعه، ثُمّ بنى بجانبه ـ من الداخل ـ ثلاثة جدران، ورفع فوقها شمسية من أكياس الخيش المشدودة إلى عوارض خشبية، وأخذ يعرض فيها الخضار نهاراً، أمّا في الليل فكانت أمك تعمد إلى إدخال بضاعته خشية أن تُسرق، إذْ لم يكن ثمة باب لدكانه!
بتعثّرٍ كان الرجل يبحث عن ظلّه، ويحاول أن يمسح عن حياتكم الصدأ، في انتظار الأيام الحبلى بالتوقع!
- 6 -
شيئاً فشيئاً كانت التفاصيل تنمو، وتنفتح لك مغاليق المكان، ويتكامل المشهد في المخيّلة، فعند تزاوج "الخابور" بـ "الجغجغ"، أو قبله بقليل؛ انزوت البلدة على استحياء؛تخفي ضآلتها وصغر سنّها بين المدن القديمات! كان الأول يتقدّم من الشمال الغربي، ثمّ ينعطف شرقاً ليخطّ حدودها الغربية والجنوبية،بينما كان الثاني يتهادى نحو الجنوب مترسماً تخومها الشرقية!
وفي أصل من ذاكرة الكبار كانت "الحسكة" مجموعة بيوت قليلة العدد، اجتمعت على خدمة الثكنة العسكرية؛ التي ابتناها الفرنسيون على شاطئ "الخابور"، غير أنّها اليوم تتمدد داخل أضلاع مثلث وادع؛ ضلعه الأول يمتد من ثكنة الهجانة غرباً، وحتى الثكنة العسكرية شرقاً، مروراً بالسجن، ودار المحافظة، أمّا ضلعه الثاني فيتّخذ سمته من ثكنة الهجانة جنوباً، لينطلق نحو ملجأ عسكري؛ بناه الفرنسيون على شاطئ "الجغجغ" شمالاً، في حين يعتقل الضلع الثالث ـ الذي ينطلق من ذلك الملجأ باتجاه الجسر المبني على نهر "الجغجغ" ـ المدينة، متمّماً دارة ناقصة تتخلّلها الفجوات غير المبنية بعد!
|