رد: راوية فوضى الفصول عن الطفولة
الجغرافيا بفضائها الملغّز، وأرضها المحيّرة، وأسمائها العصية على التذكّر، رسمت ـ بدورها ـ دائرة مرصودة حولها، فنشأ بينكما جفاء غريب، من غير أن تتبين طبيعة ذلك الجفاء أو منشئه، فإذا تصادف درس الجغرافيا ذاك مع الساعات الأخيرة من الدوام، فاض بك الكيل، ذلك أن الضغوط التي تنفر من شقوق الملل تتضافر مع استغاثات المعدة الجائعة، وسطوة النعاس، فيضحي التوفيق بين تلك الهزائم الصغيرة، ونظرات المدرّس الصارمة مشكلة بالغة الصعوبة! هذا إذا لم تتدخل عصاه في حل الإشكال الصغير بدلاً من عينيه المتربصّتين! وهاهو الجوع يضغط، والحركة في الجسد الغضّ تطالب بمجالها الحيوي، فيما ينقل السأم مشاعرك إلى خانة الإحباط، فتبدو تلك العذابات الصغيرة بلا نهاية، لكنّ المربع البليد يطلق سراحك أخيراً، فتتنفّس الصعداء، وتتخذ سمتك نحو الجسر الذي يصل حيكم بالبلدة! كان ذلك الجسر يفرض ضريبته على المارة، فلقد كانت السيارات التي تعبره تَشمُ أولئك المارة بنصيبهم من الغبار صيفاً، وحصتهم من الطين المتطاير عن عجلاتها شتاءً! غبّ الجسر كانت أقدام التلّة التي يربض عليها الحي تنهد بك إلى خاصرة ساقية؛ لتستريح بجوارها بعضاً من الوقت، متلهياً بالتطلّع إلى كوخ المجنونة "مارين"، المستلقي بإزاء خزان الماء كعلامة فارقة، فتتداعى لحظات اللهو الحمقاء متّكئة على عبث طفولي فظّ، إذْ ما تكاد المسكينة تصل إلى كوخها، إثر جولتها في أزقة البلدة، حتى تهاجمونها بقسوة، ليشهد المدى الممتد بينكم معركة حامية سلاحها الحجارة والشتائم، فلا تجــد فرصة للهدوء والراحـة غبّ يوم مـرهق! أمّا مـن هـي "ماريــن"!؟ ومن أين جاءت!؟ ومـن الذي أطلق عليها لقب "سيبورة"!؟ هل لها أقارب مثلاً!؟ فإنّ عالم الطفولة الشقية ما كان ليأبه بمعرفة الأجوبة،ثم أن أحداً لم يكن ليستطيع أن يضيء تلك البقع المعتمة من حياتها! أطفالاً كنتم، وما كان لشيء أن يقف في طريق لهوكم!وحين كانت "سيبورة" تمضي جلّ نهارها متنقلة من زقاق إلى زقاق؛ مسبوقة بثيابها الرثة المتباينة الألوان، كان الطريق يقودكم إلى كوخها لتلصّوه، إلا أنكم ما كنتم تعثرون على أي متاع خَلا دكّة خشبية قليلة الارتفاع، يعلوها فراش رثّ مغطّى بقطعة جلد صناعيّ تمنع عنه البلل، فيركبكم الحنق، وتروحون تبعثرون متاعها الزهيد، ثم تتخفون في انتظار عودتها! إنكم تتحرقون شوقاً لمعرفة ردّ فعلها على مزاحكم الثقيل، وهي توشك على إنهاء جولتها، ربما لأن بضعة قروش قد انتهت إلى جيوبها، لكنها تتفاجأ بالأثاث المتناثر حول الكوخ، فتتلفّت حولها، وهي تشتمكم في أصولكم والفروع، إنها تعرف بأنكم متخفوّن في مكان ما، لكنها لا تعرف أين! فتنتظر متربّصة لأنها متأكّدة بأنّ أحدكم سيفقد السيطرة على نفسه، وتفلت منه ضحكة مكتومة تدلّها على مكانكم، وعندها ستنخرطون في معركة جديدة غير متكافئة؛ لا يعلم نتائجها إلاّ الله!
|