رد: راوية فوضى الفصول عن الطفولة
متأبّطاً وحدتك، فاقداً التواشج مع الزمن كنتَ، وكان الفجر يهيّج في النفس رغبة عارمة في التوجه إلى ساحة القرية ومساربها، لتمرّ على البيوت، والبئر، ومورد الماء، والقبور، والأرض المفلوحة، والبيادر! كلُّ شيء كان يدعوك لأن تراه، وتلمسه لآخر مرة! ومن الأعماق شاط حنين حارق إلى الرعاة يضيعون في رهج الضياء! ولكن أيّ جدوى لتلك الأمنيات بعد أن باع أبوك النعجتين، والكبش، والعنزة الوحيدة!؟
كسوف مفاجئ في الشمس، وخسوف في القلب!
أن تعتلي ظهر "الأحيمر" لتطوف بحـــواف "الزركان" كحـاج، وتنتقل
بين غيضاته وأوديته وتلاله وحجارته وشجيراته وأرضه السبخية، تلك كانت رغبتك الأخيرة الممعنة في النأي! فمن أوصل الأمور إلى الأعتاب الموصدة!؟ ومن دفعك إلى التعلق بحبال السرّة بحثاً عن اندماج تستحيل معه الانفصالات!؟ و هاأنت تكاد أن تجهش، فتلك أشياء لا تخطئها الأذن لندرتها!نعم! إنّه الصوت الأبّح لمحّرك عربة!
وإذن، فقد أزف الوقت!
وبدأ الناس يتوافدون للوداع كأغنيات مبحوحة حزينة! ملتاثاً كنتَ، و مشتتاً، فلم تستطع الإحاطة بتفاصيل المشهد الذي راح يدنو من نقطة اللاعودة حثيثاً! أيدٍ مصافحة، وأخرى تربت على الأكتاف، أو تحتضن القامات والضلوع بشّدة، في محاولة منها لمنع الانفصام المهيمن على اللحظة، أو تأخيره للحظات، والزمن يتشقّق، فتتشقّق معه الشفاه التي تجاهد الكلام من غير أن تجده،ثمّ هدر المحّرك مبتعداً، وبقيت أنظاركم معلقّة بالثلّة البشرية التي راحت تتضاءل، والأيادي الملّوحة التي أخذت تنأى؛ زارعة في القلب انفطاراً وشيكاً، فاعتصرت يداك مسند المقعد بقوّة، وحده"بطّاح" ظل يركض خلف الشاحنة بجنون، وخيلّ إليك أنّ عينيه كانتا تبكيان! وحين غابت اللوحة اليتيمة الممهورة باسم "الجدَيدْة" عن الأنظار، تصاعد نشيج حزين من مركز الذاكرة، واندمجت لوعتك بالمشهد الذي مالبث أن اتّحد بخطّ الأفق!
|