رد: راوية فوضى الفصول عن الطفولة
وأنت مهزوم غبّ الأحداث الأخيرة، ومنكسر حتى آخر راية! ثمة ـ في الجوف ـ عطب مبهم يعتقل العينين، ويمنع عنهما الكرى! "لمبة الكاز" ترسم ظلالاً باهتة على السقف الخشبي والجدران الترابية! و كشجرة أنهكها النخر وقفتَ منقسماً، تريد أن تحيط بالأشياء لتروي شوقك إلى عوالم أنيسة توشك أن تغيب؛ متمنّياً أن تنقلب الذكريات إلى وشم مطبوع في مدخل القلب، قبل أن تسلس قيادك للأيام، فتمضي بك بعيداً، ذلك أنّ أجزاء القرار قد تكاملت، وغداً، أو ربما بعد غدٍ ستحضر شاحنة لكي تقلّكم إلى المدينة! أعوامك الثلاثة عشر تصرمّت بسرعة لا تلوي على شيء! وهذا السقف المتكوّم فوق رأسك بألفة، يفعل ذلك للمرة الأخيرة ربما، ولكن هل هذا ممكن!؟
نهضتَ، أنت تعرف الدار شبراً شبراً،وكلُّ زاوية فيها تهمس لك بذكريات حميمة! الظلمة سيّد مهاب، وشقوق الباب الخارجي تسرق شيئاً من ضوء القمر! كان زير الماء يتربّع على حامله في الزاوية الشمالية الشرقية للصالة، فيما ألقت يد الإهمال بدلو قديم إلى جانبه، أمّا الحائط الشمالي فتتوسطه كوّة صغيرة راحت تتلصّص على البيادر الشمالية الراحلة بعيداً، ومن غرفة الأهل إلى غرفة الضيافة، فغرفة المؤونة، فالمعلف، كان ذلك البيت يزوّدك بالأمان طيلة السنين التي تصرمّت! رحباً كان وأليفاً، فنما حبه في قلبك نمو عشب يكسر القشرة الخارجية للأرض !
عبر المعلف اندفعتَ إلى الزريبة المتّصلة بالدار، فشعرتَ بقبضة جبّارة تعتصر الجوف! كانت الزريبة خالية، وبدت لك في غبش الفجر واسعة! لعلها لم تكن ـ بالمعيار الموضوعي ـ كذلك! لكنها المرة الأولى التي كنتَ تدخل فيها المكان وهو فارغ! آثار التبن والشعير والروث كانت منتشرة في كل مكان، فيما كانت عيدان الحطب تغطّي السقف المُغبّر، فاستدرتَ لتهرب من تلك الأحاسيس الضاغطة، بيد أنك تفاجأت بأمك وهي تقف خلفك! كانت عيناها تحملان طيف دمعة، بينما كانت أرنبة أنفها تشي بنشيج وشيك، فألقيتَ بنفسك في حضنها هارباً من توحّدك، مشيحاً بوجهك لئلاّ ترى الدمعة المفلتة برغم التماسك، واحتضنتك بقوة، فهل كانت هي الأخرى تهرب من وحشتها وتوحّدها!؟
|