Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 218

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 223
منتديات شباب فلسطين - عرض مشاركة واحدة - :: مميز :: اكبر مكتبه قصصيه مجموعه رائعه من القصص
عرض مشاركة واحدة
قديم 04-20-2009, 03:07 PM   #157
أســـآمـة
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية أســـآمـة

قوة السمعة: 203 أســـآمـة is a jewel in the roughأســـآمـة is a jewel in the roughأســـآمـة is a jewel in the rough

افتراضي رد: :: مميز :: اكبر مكتبه قصصيه مجموعه رائعه من القصص

ما لم أكن أعرفه !

لم تفقد المقبرة هيبتها في يوم ما 00 ولم أتوصل أنا إلى السر حتى رغم زياراتي المتكررة لها00 اعتدتُ بما اعتقدتُه لزاماً وواجباً علي زيارة قبري أبي وأمي 00 كان قبراهما متجاورين كحلمين خالدين وربما كامتداد مسيرتهما في الحياة 00 شعرت بذلك كثيراً وهي وجهة نظر خاصة لا أقبل النقاش فيها 00 00 قالت أمي يوماً : لا تنسَ أن تزورني دائماً 00 قالتها مازحة 00 واعتبرتُها عهداً وأنا أرقب ابتسامة أبي في اليوم الذي ذهبت فيه إلى الجامعة البعيدة لأول مرة 00
صوت منبه السيارة يخترق الذكرى الحبيبة 00 التفتُّ عائداً وأنا أدعو الله الكريم لهما بكل الرحمة 00
صدقوني 00 لم أكن طفلاً مدلّلاً في يوم من الأيام غير أنني كنت دائماً أحصل على ما أريد 00 تذوقت طفولة جميلة قياساً بالكثير من أقراني 00 فقد كان والداي يحملان مؤهلين عاليين في التعليم ففيما كان أبي أكاديمياً مرموقاً كانت أمي مشرفة تربوية متميزة حسبما ردد أبي مراراً 00 لا تتعجلوا وتحكموا بأنهما كانا متفاهمين جداً بل كانت خلافاتهما كثيرة جداً رغم أني لم أكن أشهدها إلا سماعاً فإذا ما ظهرتُ في الصورة سارعا إلى تغيير دفّة الحديث المستعر ، وبقدر ما كان أبي هادئاً جداً وصبوراً كانت أمي عصبيّة جداً وعجولة وتختتم الموضوع دائماً بدموعها 00 كنت وحيدهما ولعلّ ذلك يبرر أنني كنت أحصل على كل ما أريد، وفي البداية كنت أشعر أن كل خطواتي ومسيرتي في الحياة مدروسة بعناية حتى اختيار أصدقائي كان يتم بمعرفة أمي 00 نعم أمي كانت تسألني عنهم جميعاً 00 فإذا ما أعطتني الضوء الأخضر كان الأمر مقضياً 00 ورغم أن الأمر أزعجني في البداية ورأيتُ في ذلك اعتداءً على حريتي الشخصية إلا أن العديد من المواقف التي حدثت بعد ذلك أثبتت لي حسن رأيها 00 كانت تحكم وفق ما أسمتْه(أسس تربوية) 00 أعود لخلافات أبي وأمي 00 كنتُ أشعر بخطورتها تتزايد وكنت أخشى حقاً أن تصل لطريق مسدود في يوم من الأيام وتحصل الكارثة00 غير أن هدوء أبي كان كثيراً ما يحتوي المواقف 00 أذكر مثلاً أنه في يوم من الأيام كنا نتغذى سويّاً عندما قال أبي : ( لقد مللنا أكل المطاعم هذا 00 إنه يزيد سوءاً يوماً بعد يوم) 00 وكان يمكن أن يمر الموقف بكل هدوء فقد بدا لي أن أبي لم يكن يقصد أكثر مما قال 00 كان عمري يومها 18 عاماً 00 وكنت قد بدأت أدرك ما تعنيه مثل هذه الأمور 00 غير أن أمي بمجرد سماعها لتلك العبارة سمحت للقمتها أن تنزلق من بين أصابها واحمرّ وجهها غضباً وهي تقول : ( كان عليك أن تكون أكثر شجاعةً وتقول أنه ينبغي علي أن أقوم أنا بذلك) 00 التقتْ عينا أبي بعينيّ للحظة قبل أن يهمّ بقول شيء ما ولكنّاه أزالت طرحتها من على رأسها وهي تردف : ( أنا أعمل نفس الساعات التي تعملها00 وأشعر بنفس الإرهاق الذي تشعر به الآن00 وتطالبني بما لا تقدر عليه أنت 00) كان أبي يحاول أن يلفت انتباهها إلى وجودي غير أنها نهضت في عصبية ودخلت غرفتها 00 شعرتُ بعدها أن أبي كان يفكر في عبارة يقولها لابنه الصامت في موقف كهذا ولكني ســــارعت إلى القول : لا عليك يا أبي 00لن يطول غضبها) 0
كان المحيّر لي أن أمي رفضت مراراً ولا زالت تصرّ كمبدأ أن تدخل بيتنا خادمة ما بقيت على قيد الحياة 00 كانت تطلب فقط الاستعانة بالمطاعم لوجبة واحدة وعدا ذلك كانت تقوم بكل شيء 00 وقد لا يكون هذا هو كل شيء مما يغضب أمي كتأخر أبي الدائم في عمله إلى ما بعد منتصف الليل أحياناً ولربما بقينا ننتظره على العشاء حتى يعود!00 غير أن أمراً كهذا اعتدنا عليه فيما بعد ، ولكن صمتُ أمي على ذلك لم يأت إلا بعد خصام عنيف غادرت على إثره منزلها لأول مرة 00 وبعد تدخل أهل الخير و(تعهدات) أبي عادت ولكنها حرصت ــ كما رأيت ــ على ألاّ تبالي بأمر كهذا مرة أخرى وأصبحنا نتناول العشاء غالباً دون أبي وأستطيع القول أنني عشتُ هذه الفترة من حياتي في كنف أمي وبعيداً عن روح أبي !00
أذكر أنّ أمرين حدثا تركا فراغاً هائلاً في حياة أمي وحياتي 00 ولم يستطع كلانا نسيانه أبداً 00 الأول : كان عندما أسقطتْ أمي حملها بعد طول انتظار 00 فجزعت وكاد مرضها الحلو يقتلها هذه المرة لولا لطف الله وخاصة أن الطبيب أخبرها أن مسألة حملها غير واردة مستقبلاً 00 بقينا أنا وأبي أسابيع عديدة ونحن نحاول سلوانها 00 وما أن صدقنا أن تقف على قدميها مرة أخرى حتى كانت الكارثة الكبرى 00 وفاة أبي في حادث مروري 00 صحيح أن أبي كان بعيداً عنا أو كنا وأمي نستشعر ذلك في كثير من الأحيان رغم جهاده للتوفيق بين أبحاثه وعمله وبين عائلته ولكن الحقيقة أن ذلك ترك جرحاً لم يستطع أن يوقف أحد نزفه 00
لا يمكنكم تخيّل إلى أي درجة بلغ تأثير ذلك على أمي 00 ولأول مرة شعرت كم هي رقيقة 00 وكم كانت تحبه 00 لم أكن لأتخيّل ذلك في كل المواقف التي رأيتها بينهما 00 فلطالما علا صوتها عليه 00 ولطالما تركته قبل أن يكمل حديثه 00 كان يبتسم حينها 00 بقينا بعدها ليال طوال كلما جلسنا للعشاء نتوقف بعد لقميتن أو ثلاثاً فقد دأبت أمي على إجبارنا على ذلك بذرفها الدموع كلما وقعت عيناها على المقعد الذي كان يشغله أبي 00 في بعض الأحيان فقط 00! ربما كان هناك ما لا أعرفه 00 تبقى بعض الأسرار الجميلة في قلوب أصحابها فقط ، وبقدر جمالها يظهر تقديرها 00
تلاشت عصبية أمي تقريباً ولمست منها من الحنان ما لم أعهده طوال حياتي الماضية فتربيتها الصارمة ربما وصلت مرحلة أجمل بكثير 00
ترك أبى في حياتي أنا الأخر فراغاً كبيراً ، برغم أنني كما قلت لكم لم أكن أعش معه بالدرجة التي تتصورون ، ولكن كان لأبي ذلك الهدوء المميز ، والابتسامة الحنونة ، والتوجيه الصادق ، والتعامل الراقي مما لا يمكن نسيانه 00 وحتى الآن لازلت أشعر في بعض الأحيان كما لو أنه وراء الباب يوشك أن يدخل في هدوء تام ملقياً تلك التحية الأكثر هدوء والمشفوعة باعتذاره اليومي عن تأخره 0
مرت الأيام ووجدت نفسي على وشك التخرج من الجامعة 00 كانت أمي طوال ذلك تجاهد لعمل الأنسب تعاملاً مع المرحلة العمرية التي أمر بها ، إلا أنها وبحكم طبيعتها والظروف التي مرت بها وتقدمها في السن لم تستطع فعل الكثير لأجد نفسي وسط الكثير من الأصدقاء منهم 000 ومنهم 00 إلا أن الأضرار التي لحقتني من أسوئهم كانت بسيطة وكذا مرة جلست إلي ّ أمي وحدثتني مطولاً حتى نجحت في تخطي الكثير من العقبات 00 تخرجت وعملت أيضاً ، ورأت أمي أنه قد حان الوقت لتزويجي 00 لم تدعني أفكر ووجدت نفسي مع ابنة عمتي في غرفة واحدة قبل أن تمر أيام على الحديث في الموضوع 0
وعاشت أمي معنا في نفس البيت أو عشنا نحن معها في بيتها كما خططت لذلك تماماً أو لأبقى تحت نظرها حتى تموت كما رددت مراراً 00 لعلكم تتوقعون ما سيحدث 00 وجدت نفسي وسط صراع بين أمي وزوجتي 00 أمي تريد أن تدير كل شيء ، وتعتبرنا صغارها الذين هم بحاجة إلى رعاية دائمة ، وكانت مستعدة لتفعل كل شيء من أجل ذلك 00 رفضت أن أصرف حتى على البيت وكانت تردد كلما طرقنا هذا الموضوع : ( تمتع وعروسك بحياتكما وأنفق ما تملك على ذلك ودع لي أمر البيت ) ! 00 ليلتها دخلت في نقاش عنيف مع زوجتي التي قذفتني بقولها : " يا بن أمك 00 لماذا لا تدعها تختار لك ملابسك ؟! " 00 هممت بارتكاب حماقة لولا أنني سيطرت على نفسي في آخر لحظة فقد كنت أدرك حقيقة مشاعرها 00 لها الحق في مملكة خاصة بها 00 وعندما قلت لأمي ذلك كانت صفعتها أقوى : " لم أكن أتخيل أن يكون لي ابن تسوقه امرأة ؟! " 00 لا أدر لماذا تذكرت لحظتها ما كانت تفعله مع أبي 00 مسكين أنت يا أبي ولكني لا أملك صبرك ولا أبحاثك 0
بعدها بأيام غضبت أمي لكلمة زلت بها من اختارتها 00 وعندما عدت من العمل كانت قد حزمت حقيبتها واستقرت عند خالتي 00 وحكاية الخروج من البيت كنت دائماً أتوقع أن يحدث عكس ما حدث 00 كان الموقف مناسباً لكرامتها وعزتها الكبيرة والتي أعرفها جيداً 00 قالت عندما توسلت إليها 00 : ( لا أعرف أن لي أولاداً رجالا ً 00 ! ) 00 آلمتني كلمتها كثيراً ولكني تذكرت كل ما كانت تقوم به لأجلي فقد ضحت بالكثير حقا 00 ولن أتمكن أبداً من تقدير ذلك مهما فعلت 00 كان الحل عندما بنيت ملحقاً للمنزل وعشت فيه أنا وزوجتي غير أن أمي –ولكم أن تتخيلوا – لم تكن تأتي إلينا إلا نادراً رغم أن الفاصل بيننا باب صغير !! كنت أعرف أنني بحاجة لمعجزة لتغيير موقفها 0
أذكر أنني جئت يوماً ودخلت وهي لا تراني 00 لا أدر كيف أصف المشاعر التي انتابتني وأنا أراها تحدق في صورة أبي 00 لم تشعر بي أبداً 00 بقيت قليلاً حتى بدأت ترتجف فتسللت خارجاً 00 ترى ماذا ستفعل ا امرأة مثلها في القادم من الأيام ، والحقيقة أنني لم أكن أخش عليها كثيراً 00 فهي قوية 00 قوية بما يكفي 00 وما كنت أخشاه هو أن يغضبها شيء فيرتفع عندها الضغط وربما 00 حاولت كثيراً أن أعيد لها تألقها 00 كانت تشعر بي حتى أنها قالت يوماً : ( ما تحاول صنعه معي لن يحدث في يوم ليلة 00دعني وربما تراني يوماً كما تود 00 ) 00 كنت أشعر بمقدار إحساسها المريع بالوحدة والفراغ فهي لا تحب الزيارات وأحاديث النساء ومجالسهن 00 وعندما قامت بعض الزيارات تركتها بنفس السرعة 00 كانت تقرأ كثيراً 0
تلقيت اتصالاً 00 عاجلاً : " أمك بحاجة إليك 00 " 00 كانت في المستشفى 00 وبعيداً عن التوضيح الممل فقد داهمها الضغط مرة أخرى 00 نظرت إليها 00 كان وقارها وعزتها باديين بوضوح 00 فتحت عيناها و 00 وابتسمت 00 شعرت كما لو أنني لم أر ابتسامتها الرائعة هذه طوال حياتي 00 احتضنت كفيّ في حين لملم وقارها ابتسامتها الخالدة وقالت : " أنا بخير 00 لا تقلق 0 ) 00 مرت أيام عصيبة وخرجت من المستشفى وفي اليوم التالي لخروجها كنا جميعاً عندها في البيت 00 كانت تتحسن في سرعة كبيرة 0 غادر الأقارب وبقيت معها 0
في صباح اليوم التالي جئتها 00 كانت لا تزال في فراشها 00 بدا لي أن نوراً يشع من وجهها 00 إحساس غريب تملكني 00 تأكدت بعد أن حركت يدها مراراً أنها لم تعد في عالمنا 00 سحبت يدها الأخرى التي كانت تحت الغطاء على صدرها 00 طوفان من الحزن اقتلعني وصورة أبي تسقط من كفها



  اقتباس المشاركة